ماذا حدث في ولاية غرداية الجزائرية

بواسطة » الوقت \ التاريخ : عدد المشاهدين : 437 views

 

تعرف مجتمعات شمال إفريقيا بانها مزيجًا من العرقيات العربية والأمازيغية والإفريقية، بالإضافة إلى بعض الأقليات مثل العبرانيين والأوروبيين والطوارق ، وتمتاز العرقيات القومية والدينة في المغرب العربي بانها اكثر تعايشا وانصهارا من اعراق المجتمعات بالشرق الاوسط إلا أن ما وقع مؤخرا في الجزائر من حرب شوارع بين العرب السنة والأمازيغ الإباضيين بمنطقة (غرداية)، يعد استثناء للصراعات العرقية والطائفية في المغرب العربي.

ماذا حدث في غرداية؟

لم يكن يخطر ببال أحد من الجزائريين أن تندلع مواجهات عنيفة بين العرب المالكيين والأمازيغ الإباضيين في شهر رمضان الكريم مثل تلك التي شهدتها منطقة ولاية غرداية، والتي راح ضحيتها ما لا يقل عن مقتل 22 شخصا وجرح ما يزيد عن 700 فرد، بينهم عشرات من قوات الشرطة والدرك.

بدأت شرارة المواجهات في ليلة الإثنين 6 تموز، لتزداد شدة في ليلة الثلاثاء مباشرة عقب صلاة التراويح، حيث اشتبكت مجموعات ملثمة بالأسلحة البيضاء وزجاجات المولوتوف وبعض الملثمين كانوا يحملون أسلحة نارية. حيث تركزت المواجهات العنيفة بين العرب السنة والأمازيغ الإباضيين في مدينتي بريان والقرارة، حيث خلفت عشرات القتلى والجرحى بالإضافة إلى تخريب وحرق عشرات البيوت والمحلات التجارية لكلا الطائفتين السنية والإباضية.

ما أسباب كل هذا العنف المفاجئ؟

ليست هي المرة الأولى التي تنشب فيها مواجهات بين العرب والأمازيغ في ولاية غرداية وإن لم تبلغ درجة العنف كالتي بلغتها في الفترة الأخيرة، فقد سجلت اشتباكات بين الطرفين منذ  اذار 2008، وفي نهاية نفس السنة عرفت مواجهات خلفت ثلاثة قتلى ورغم أن المواجهة تتخذ طابعا مذهبيا عرقيا، إلا أنها في الحقيقة حسب محللين تعود إلى تناقضات اجتماعية وثقافية بين سكان غرداية، وإلى التهميش الذي يطال المنطقة.

تسكن ولاية غرداية غالبية من الأمازيغ الإباضيين وأقلية متوسطة من العرب السنة، وقد كانوا جميعهم يعيشون في سلام وتعايش منذ قرون رغم اختلافاتهم المذهبية والعرقية، إلا أنه في العقد الأخير أصبحت هذه التمايزات الطائفية تطفو إلى السطح وتخلق صدامات عنيفة بين الفينة والأخرى.

يقول الخبراء إن الصراع بين الطائفتين يتخذ بعدا اقتصاديا اجتماعيا في جذوره، حيث إن العرب المالكيين يُحملون الأمازيغ المعروفين بتعاطيهم للتجارة مسؤولية فقرهم، أما الأمازيغ فيرون أن الدولة الجزائرية تعطي كل الامتيازات للعرب من حيث الوظائف الإدارية والصفقات العمومية. إذ أن كل طرف يشكو من حيف الطرف الآخر، ويتهمه بمحاولة إنهاء وجوده.

ويبدو أن الصراع بين الطرفين الجزائريين أصبح في الفترة الأخيرة يصطبغ بصبغة مذهبية متأثرا بأحداث الشرق الأوسط المتخمة بالعنف والصراعات المذهبية، بحيث يمكن لمناوشات بسيطة أو إشارات استفزازية أن تؤدي إلى إشعال مواجهات واسعة كما حدث في ليلة الإثنين الأسود.

كيف تعاملت الدولة الجزائرية مع أحداث العنف بغرداية؟

لم تستطع الشرطة الجزائرية في البداية وقف المواجهات الدامية الليلية بين العرب والأمازيغ والتي استمرت طوال ساعات، نظرا لاتساع رقعتها وانتشار مجموعات ملثمة مسلحة، ما جعل كثيرا من الجهات الداخلية تتهم جهاز الشرطة بالتقاعس والتواطؤ في اشتعال الاشتباكات، غير أنه حينما ساد الوضع انفلاتا أمنيا كلف الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الجيش باستعادة الأمن وإنهاء الانفلات بالقوة، وكان ذلك خلال اجتماع طارئ للمجلس الأعلى للأمن، عقده الأربعاء اي بعد يومين من الاشتباكات.

وتم نشر7000 من قوات الأمن الجزائرية ما بين عسكري وشرطي بعد إعلان حظر التجوال ليلا بمنطقة غرداية ومن جهة أخرى تعهد الوزير الأول عبد المالك سلال بفرض الأمن في غرداية بالقوة، مطالبا أعيان المنطقة بتحمل مسؤولياتهم لإعادة اللحمة بين الساكنة، كما أعلنت الداخلية الجزائرية فتح تحقيق لمتابعة المتورطين في أحداث العنف قضائيا.

كما عملت مجموعة من القوى المدنية والسياسية والمنظمات المجتمعية على جمع شمل ساكنة غرداية وحثهم على نبذ الثأر والانتقام، مذكرين “بأنهم جميعا في الأخير جزائريون مسلمون”.

هل هناك أياد خفية وراء أحداث غرداية؟

انفجار الوضع في الجزائر بصورة مفاجئة وقوية جعل البعض يفكر في إمكانية وجود أياد خفية وراء الأحداث الدامية سواء كانت داخلية أو خارجية. ويجري الحديث في الصحف الجزائرية بأن جهات خارجية ممثلة في أطراف معينة بالمغرب وليبيا عازمة على زعزعة استقرار أمن الجزائر، وقد تكون حسبها متورطة في إذكاء أحداث غرداية الدامية. فلا زالت التحقيقات جارية لحد الساعة، ولا زال الهدوء الحذر يغلف أجواء غرداية.

ما هي تداعيات أحداث غرداية على الجزائر؟

ستضيف الصراعات الطائفية الداخلية عبئا أمنيا ثقيلا على قوات الجيش الجزائري المشغولة أصلا بحماية الحدود الساخنة مع ليبيا والمغرب ومالي وتونس، حيث تنتشر هناك الجماعات المتطرفة الارهابية وعصابات المخدرات.

أحداث غرداية الدامية تزيد الوضع سوءا، حيث من المفترض أن تحافظ الجزائر على أجواء الاستقرار والأمن خصوصا في ظرفية حساسة تمر بها المنطقة العربية بكاملها، وأيضا لإتمام انتقال سلس لمرحلة ما بعد بوتفليقة.

 

مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية

  قسم الدراسات الامنية والعسكرية

 

التعليقات :

اكتب تعليق

Voice

أيهما اكثر تأثير في توعيه المجتمع من مخاطر الارهاب ؟

View Results

Loading ... Loading ...