مجتمعات ما بعد الحرب .. كيف يمكن علاج التطرف الذي زرعه داعش

تاريخ النشر : 2020-10-21

تعد ظاهرة التطرف من القضايا التي يهتم بها المجتمع فهي قضية معقدة ومتشابكة تتأثر وتؤثر في غيرها من القضايا ومرتبطة الى حد كبير بالظروف التاريخية والسياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من الظروف التي  يتعرض لها المجتمع . والتطرف من المفاهيم التي يصعب تحديد او اطلاق تعميم بشأنه فما يعتبره مجتمع ما سلوكا متطرفا من الممكن ان يكون مألوف في مجتمع اخر لذا فانه مرهون بالمتغيرات البيئية والثقافية والدينية والسياسية التي يمر بها المجتمع .

 كما يستخدم مفهوم التطرف للإشارة الى الخروج عن القواعد الفكرية والقيم والمعايير والاساليب السلوكية الشائعة في المجتمع وتبني قيم ومعايير مختلفة قد تصل الى للدفاع عنها باستخدام العنف بسلوك فردي او جماعي منظم بهدف احداث تغيير وفرض الراي بقوة على الاخرين .

كما  ويأخذ التطرف اشكالا متعددة منها الفكري والديني والسياسي الاخلاقي والاجتماعي وتطرف المشاعر والاتجاهات الوجدانية والتطرف احتجاجاً على غياب العدالة الاجتماعية بصورها المختلفة في نظام المجتمع

تؤشر السنوات العشر الاخيرة ما يأتي :

تزايد انواع التطرف العنيف على مستوى السلوك الجمعي .

تزايد عدد التنظيمات المتطرفة العنيفة .

تزايد اعداد اعضاء هذه التنظيمات . وبخاصة من الاطفال والنساء .

تزايد وتنوع اساليب التجنيد لممارسة المتطرفين نشاطات ارهابية متنوعة .

تزايد وتمدد رقعة التطرف العنيف المؤدي الى الارهاب كونه عابرللحدود .

تجاوز التطرف العنيف المؤدي الى الارهاب الحدود السياسية للدول والعقائدية للمجتمع الواقعي نحو  العالم الافتراضي .

 وعلى هذا فكل وجهات النظر في هذا المجال محترمة ، لفهم وتقديم معالجة عملية من خلال منظورالأمن الوطني الشامل بعد  تحليل وتشخيص البيئة الاستراتيجية المحلية والاقليمية والدولية ومؤشراتها ومرتكزاتها والتحديدات التي نواجهها في سبيل تحقيق اهدافنا ، توصلنا الى ان التطرف العنيف المؤدي الى الارهاب هو :

كل فعل او قرار او موقف فردي او جماعي ، ناتج عن قيمة او فكرة او رأي او معيار متشدد ومنحرف عن الاستقامة والاعتدال ، يفرض بالقوة ، لإحداث تغيير ايديولوجي في المجتمع ، ويؤدي هذا بشكل مباشر او غير مباشر الى ترويع فرد أو جماعة أو دولة لتحقيق أهداف لا تجيزها القوانين المحلية والدولية ، ويشكل إسـاءة لمقاصـد الأمـم المتحـدة ومبادئها، من خلال تقويض السلام والأمن وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة ، ويشكل تحدي لقـيم السلام والعدالة والكرامة الإنسانية التي يشترك فيها البشر، ويشكل خطرا عليهم.

 هذا الفهم يغطي جميع الأعمال الهادفة إلى منع ومكافحة التطرف العنيف المؤدي الى الارهاب ، اذ تستوجب مكافحة الإرهاب جهودا تكتيكية لإحباط الهجمات ، وجهودا استراتيجية لمكافحة الراديكالية المتطرفة التي تغذي الكراهية والعنف وتدعّم استراتيجيته وجاذبيته العالمية

أما آليات منع ومكافحة التطرف العنيف فلا تعد أداةً لمكافحة الإرهاب بل خياراً متوازياً ومكمّلاً في السياسات التي تتعامل مع الأنشطة المقلقة – ولكن ليس غير القانونية – التي تقع ما قبل وما بعد الجريمة الارهابية .وفائدة هذه الاليات انها تتضمن إعادة التأهيل والدمج لتحقيق السلم الاهلي  في المجتمع ، وتقلص عدد الأشخاص الذين يحتمل تجنيدهم لأعمال إرهابية عبر طيف الأيديولوجيات المتطرفة العنيفة ، وتعزز التماسك المجتمعي، ولا تعارضه، وتقدم معالجات للمخاطر التي يتعرض لها الأمن الوطني في العراق .

ان اهم الركائز التي يعتمدها العراق في منع ومكافحة التطرف العنيف المؤدي الى الارهاب هي :

  1. المصادر الدولية:

 الاعلان العالمي لحقوق الانسان ، والاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة  التي انضم اليها العراق ، وقرارات مجلس الامن والامم المتحدة والجامعة العربية والاستراتيجيات المعدة بناءا عليها ، ووثائق الاتحاد الاوربي ، والاتفاقات السياسية ، وتوصيات المؤتمرات الدولية التي شارك بها العراق .

        2.مصادر المحلية :

          أ . الدستور العراقي لسنة 2005 : اذ يعد واحدا من اهم واقوى الوثائق القانونية المعتمدة في مكافحة التطرف العنيف المؤدي الى الارهاب. حيث اشار في العديد من مواده وبنوده بشكل واضح الى قيم وفلسفة بناء الدولة المدنية الخالية من العنف من خلال ترسيخ قيم الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات واستقلاليتها واحترام وضمان حقوق الاقليات والابتعاد عن التمييز النوعي والعرقي وتنظيم العلاقة بين المؤسسات .واعتمادا على هذا الاطار القانوني الشامل يمكن سن منظومة من التشريعات تسهم في مواجهة كل المحاولات التي تهدف الى تنمية الافكار والاتجاهات والسلوكيات المتطرفة العنيفة . وبناء على الدستور ايضا لا توجد اي مبررات لأية جماعة محلية لكي تعتمد التطرف العنيف سياسة واسلوبا لفرض نفسها خلافا لما اشار اليه الدستور في اليات البناء المؤسسي والنظام الديمقراطي في العراق.

ب. منظومة التشريعات والاستراتيجيات الامنية والتنموية التي اقرتها وتنفذها الحكومة العراقية، ومدونات العمل الاعلامي.

ج. البرنامج الحكومي للإصلاح الشامل : اذ تعرض للكثير من المعالجات للأسباب الجذرية المؤدية للتطرف العنيف .

د. خطة اصلاح القطاع الامني : شجعت هذه الخطة على قيام قوى إنفاذ القانون بإيجاد الطرق المناسبة للعمل بشراكة مع المجتمعات المحلية وتجسير الثقة بين المواطن/المجتمع وبين قوات انفاذ القانون ، والتعاون بينهما من اجل انهاء مظاهر التطرف العنيف المؤدي الى الارهاب .

ه. استراتيجية الامن الوطني العراقي : حيث حددت التطرف العنيف ضمن مخاطر المستوى الاول ، ورسمت لها سياسات ثقافية واجتماعية توزعت على معظم القطاعات : الامني ، السياسي ، الدبلوماسي ، الثقافي والاجتماعي ، وقطاع الاتصالات والامن السيبراني ، وتضمنت سياسات للمنع والوقاية ، وسياسات للتدخل العلاجي ، وسياسات لإعادة التأهيل / الدمج ، وحدد التنفيذ للأمد القريب والمتوسط  .

و. استراتيجية منع التطرف العنيف المؤدي الى الارهاب  : تناولت في اهدافها بالتفصيل تدابيرا وقائية واخرى علاجية بخصوص  طبيعة الخطاب الديني والاعلامي والسياسي ، والاداء السياسي الفردي والجمعي ،  واستحداث وتطوير القوانين المحلية ذات الصلة ،  وتطوير منظومة التربية والتعليم ، وتحسين المستوى المعيشي، ورفع الوعي المجتمعي بالشراكة والتعاون مع اجهزة انفاذ القانون والمؤسسات الامنية ذات الصلة ، وتطوير واقع الاصلاحيات والسجون ، واعداد برامج الاصلاح والتأهيل / الدمج ذات الصلة . مع مراعاة الشرائح المستضعفة .  وتهدف التدابير الوقائية إلى منع الراديكالية من التفشي داخل المجتمع بالدرجة الأولى، فضلاً عن اتخاذ تدابير تهدف إلى مواجهة عملية التطرف التي تؤثر على الأفراد .

وكما وهو معروف فإن كل  استراتيجية تواجه تحديات عدة لتحقيق اهدافها ، من اهمها :

أاتساع الارهاب العالمي ومستويات تأثيره الميداني والفكري ، بالخصوص في منطقة الشرق الاوسط .

بطول فترة سيطرة عصابات داعش الارهابية على المدن في العراق ، وتأثيره النفسي سلبيا على سكان هذه المناطق .

جالصعوبات والتلكؤ في ادارة ملفات النازحين والمصالحة  المجتمعية ومكافحة الفقر

دعدم الاستقرار السياسي وما ينتج عنه من ازمات سياسية ذات تأثيرات مجتمعية سلبية

هالاضرار الكبيرة التي تعاني منها البنى التحتية بسبب الفساد والارهاب، وبالخصوص المؤسسات التربوية والتعليمية والصحية

وانتشار وترويج ثقافة التطرف العنيف والتجنيد عبر مواقع التواصل الاجتماعي  .

زالقصور القانوني والتشريعي المخصص بحالات التطرف العنيف المؤدي الى الارهاب .

حضعف التفاعل بين مؤسسات المجتمع المدني في المجتمع بشكل عام.

ط. تراجع النمو الاقتصادي وتذبذب اسعار النفط

ي المتغيرات السياسية الاقليمية والدولية وسياسة المحاور السائدة في العالم.

كضعف تطبيق التشريعات القانونية ذات الصلة بالفئات الهشة في المجتمع

لالظروف المحتملة في ادارة المناطق المحررة وتوقع  تصاعد التطرف او التوتر وانتهاك حقوق الاقليات وعودة النزاعات العشائرية  والخلافات حول المناطق المتنازع عليها .

م  استمرار  المتطرفين  باعتلاء منابر اماكن العبادة والترويج لخطابهم التحريضي .

س. قلة او انعدام الموارد المالية والبشرية المخصصة لتنفيذ برامج منع ومكافحة التطرف العنيف في  مؤسسات الدولة .

ع. حداثة المفاهيم وقلة الدراسات والبحوث المتعلقة بالتطرف العنيف مما يضعف فاعلية جهود  المواجهة والوقاية .

في الختام فان التطرف ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل عديدة ثقافية ، اجتماعية، سياسية ، اقتصادية ، امنية ،اعلامية ، تعليمية . وعلى الرغم من اهمية المواجهة الامنية لتلك الظاهرة الانها تظل غير كافية حيث يقتضي الامر التركيز على جوانب اخرى قد تمثل دوافع اساسية وراء للانضمام الى التنظيمات المتطرفة مثل ( ربط الامن بالتنمية ،مواجهة الفقر و البطالة والتهميش الاجتماعي ، تدعيم التعددية الدينية ،تعزيز المواطنة ، الحفاظ على كيان الدولة القانونية الدستورية الحديثة ، مواجهة العنف و التمييز بأشكاله كافة ) وبالتالي يمكن القول ان مواجهة التطرف تتطلب جهدا مكثفا خلال المدة  القادمة فلا شك ان المستقبل اصبح مرهونا بمدى قدرتنا على محاصرة التطرف والمضي على طريق العقلانية والاستنارة والتنمية والتسامح والتقدم لبناء السلم الاهلي . كما اننا نتطلع الى التعاون الدولي لكي تصبح مكافحة التطرف العنيف حركةً تشمل المجتمع الدولي بأسره من أجل تنمية مرونة المجتمعات المحلية وقدرتها على ردع أي تطرف، وتحصين نفسها ضد الإيديولوجيات المتطرفة . فالعراق يعد دوليا خط الدفاع الأول بوجه التطرف العنيف ، ولذلك فإن تمكين المجتمع العراقي وتحفيزه على الانخراط بشكل أكثر نشاطاً في هذا المجال يصب في خدمة المصلحة الوطنية والدولية .

 

اللواء الركن الدكتور

خالد عبد الغفار البياتي 

باحث / قسم دراسات التطرف العنيف