العراق وتجارب الدولية في تنوع مصادر الدخل القومي

تاريخ النشر : 2019-06-27

قسم الدراسات الاقتصادية

د. علي ادهم

اصبح تعدد مصادر الدخل وتمويل الموازنات من اهم الضروريات التي تساعد الحكومات في تحقيق متطلبات شعوبها، وكذلك تعتبر أحد المؤشرات على قوة الاقتصاد ومكانته. فضلا عن ذلك، فان القوة الاقتصادية لاي دولة تفرض نفسها في السياسات الدولية، وتجعلها قادرة على تحكم في جزء من القرارات الدولية. ولغرض زيادة النمو الاقتصادي للدولة فلابد من تنوع مصادر التمويل ووضع خطط لزيادة الدخل العام وزيادة دخل الفرد، وهذا يتطلب استثمار كافة الطاقات المتوفر ووضع خطط استيراتيجية لزيادة نسبة موازنة وفقا لما يتطلبه وضع البلد من توفير الخدمات ومواكبة التطور المستمر في كافة مجالات الحياة. ونتيجة للازمات الاقتصادية التي تمر بها بعض او معظم الدول من جهة، والتطور التقني في كافة مجالات العمل من جهة اخرى. فقد خططت معظم دول العالم الى التنوع في تمويل ميزانياتها.

يمكن تصنيف مصادر التمويل بشكل عام في معظم دول العالم الى صنفين: مصادر طبيعية التي وفرتها البيئة والطبيعة للدول ، ومصادر غير طبيعية التي انشأتها الدول بالاعتماد على العقول البشرية التي استثمرت كل جهودها وطاقاتها في هذا الجانب، فمعظم المصادر الطبيعية اصبحت ثانوية في نظر الدول المتقدمة صناعيا، لأن مثل هذه المصادر التي وفرتها الطبيعة وليس للانسان سوى استثمارها بالشكل الصحيح، واصبحت هذه الدول التي تعتمد على المصادر الطبيعية وحسب فقيرة معنويا في نظر الدول المتطورة مهما كانت دخلها، لانها تعتمد على ما وفرته الطبيعية لها من مصادر تستطيع من خلالها توفير المتطلبات الرئيسة في أستمرار وجودها حتى وإن كانت هذه الدول غنية في ميزانياتها الضخمة فهي لا تمتلك مقومات الحفاظ على وارداتها وتمويلها.

بعد منتصف القرن الماضي برزت العديد من الدول التي تميزت بأستخدام مصادر متنوعة في مختلف المجالات، ولم يكن في حسبان اي محلل سياسي او اقتصادي بأن هذه الدول سوف تتحول بشكل سريع وملفت للانتباه الى دول ذات اقتصاد قوي ولها وزنها عالميا، فاستثمرت كل طاقاتها البشرية وامكاناتها لتحويل بوصلة الحياة اليومية، فذهبت لكي تبحث عن البدائل وحتى ان كانت مستحيلة او غير ممكنة التحقيق ضمن ما متوفر لها من بيئة طبيعية او اجتماعية او بشرية. وعلى سبيل المثال نتوقف على تجارب بعض الدول في هذا المجال لكي نستفاد من تجاربهم ونحاول تطبيقه في بلدنا.

جمهورية الصين الشعبية كانت دولة زراعية تعتمد بالدرجة الاولى على الزراعة، فوضعت خطط رصينة وقوية للانتقال الصناعي وتنويع الانتاج، وكان الاهم من ذلك هو اصرارهم على النجاح مهما كانت المعوقات التي تعرقل مسيرة التطور، فكان الاصرار حاسما في تفوقهم المتميز، بحيث تعددت مصادر تمويلها واصبحت من الدول الاولى في العالم. فبدلا من الاعتماد على الجانب الزراعي تغير نهج الدولة بحيث اصبحت من اولى الدول صناعيا بالرغم من انها متميزة في الزراعة ايضا.

وامبراطورية اليابان مثال اخر في تعدد التمويل والتطور، حيث خطت خطوات سريعة لتغيير واقعها، الى ان صنفت من ضمن الدول الاولى في التطور وتنوع مصادر تمويلها بعد ان كانت تعتمد على الصناعات البسيطة، فكان تحولها سريعا ومميزا خطت خطوات ثابته فأصبحت من الدول الاولى في الانتاج الصناعي.

المثال الآخر سنغافور التي نهجت نهجا متميزا في تنويع مصاد دخلها وفقا لما يتطلبه النظام العالمي والتطورات التي تحدث في جميع المجالات اليومية، فبعد استقلالها 1965 اعتمدت على التجارة بشكل كبير من خلال الموانىء البحرية والضرائب، شيئا فشيئا ساهم ذلك في تطوير الجانب الانتاجي، وبعد ذلك في الانفتاح على بعض الدول وفتح اسواق حرة، الى ان وصل الحال الى تنامي قوة الصناعة التي بدأها بالادوية والاجهزة والمواد الاولية والكيمياوية الى المنتجات الالكترونية الاخرى بحيث اصبحت سادس دولة من حيث القوة الاقتصادية، فكانت خطواتها سريعة ومخططة بشكل جيد.

وكذلك خطت ماليزيا خطوات مسرعة في التنوع الاقتصادي فبدأت من الزراعة وخاصة نخيل الزيت (Palm oil) الزيت النباتي المستخدم في الطبخ، التي انتشرة بشكل واسع واستثمرت نمو هذا النبات في اراضيها ليوسع المساحات المزروعة حتى غطت ارض ماليزيا في معظم مناطقها. وبعدها تحول من الزراعة الى التجارة ومن ثم الى الصناعة، فماليزيا اليوم تنتج اغلب المواد المستهلكة داخليا ووضعت خطة بأن تكون من الدول الصناعية بحلول عام 2020. وانتشرت في ماليزيا عدة انواع من المصانع سواء كانت مصانع الالكترونيات والاجهزة الدقيقة وصولا الى مصانع السيارات، بالتاكيد ان هذه التحولات جائت نتيجة لمتطلبات العصر وسبل تنوع مصادر التمويل.

اذا ما عدنا الى القارة السمراء فان اثيوبيا صُنفت كأول دولة افريقية نموا في الاقتصاد رغم كونها دولة غير ساحلية ويبلغ عدد سكانها اكثر من 100 مليون نسمة وتحتل المرتبة الخامسة من حيث استقبالها للاجئين الاجانب، واعتمدت اثيوبيا على المجال الزراعي ومن ثم الصناعي في توسع نموها الاقتصادي، وفي الاونة الاخيرة اخدت منحى اخر باعتماد الاستثمارات الاجنبية مما احدث ثورة اقتصادية متميزة وسًعت من خلالها الصناعات الغدائية والانتاجية بشكل كبير.

إن اغلب الدول التي في الصدارة من حيث الدخل الاقتصادي ودخل الفرد، تعددت مصادر دخلها اذ أنها واكبت التطور التقني في كل مجالاتها وكان لهذا التطور دور جوهري في تميز الدول في منهاج عملها.

عندما نقارن العراق مع بعض الدول التي في صدارة القوة الاقتصادية ، فنجد ان ما لدى العراق من امكانات طبيعية او بشرية تأهلها للتفوق، فاذا ما قورنت امكانيات العراق مع هذه الدول فنجد ان للعراق اضعاف ما لبعض الدول التي في الصدارة من امكانات اذا ما استثمرت تجعلها في الصدارة.

ويتميز العراق على الكثير من دول العالم بتوفر الكثير من المساحة الصالحة للزراعة وصلاحية اراضيه للكثير من المنتجات الزراعية. وكذلك في مجال الصناعة التي كانت من اولى دول المنطقة في العصر القديم. اما في مجال التجارة ، فاذا ما استثمرت المنافذ الحدودية وكذلك الحركة البحرية او ربط الدول الاوربية مع الشرق الاوسط عن طريق الاراضي العراقية ايضا يعتبر مصدرا لا مثيل لها . واذا ما استثمرت الدولة التقنيات الحديثة ومنها الاتصالات وخط (الكابل الضوئي) في ربط اوربا بالشرق الاوسط فانها مورد اخر من موارد التمويل التي لا تقل اهمية عن الموارد الطبيعية الاخرى.

هناك جانب مهم ايضا وهو الجانب السياحي الذي تعتبر نهر من الذهب، فشمال العراق يختلف كليا عن جنوبه فمن الجبال الى السهول والاهوار تتنوع مواسم السياحة وتختلف الطبيعة كليا، فضلا عن ذلك يمكن تصنيف السياحة الدينية التي تشهدها العراق سنويا بانها من اولى الدول في العالم، حيث يستقبل العراق ملايين الزائرين سنويا لزيارة المراقد الدينية والتي لم يشهده اي دولة في العالم. وهناك العديد من الدول التي استثمرت السياحة كموردا لتمويل ميزانيتها ، فعلى سبيل المثال ماليزيا بدأت باستقطاب السياح وبناء المرافق السياحية المتنوعة والمختلفة واستثمرت كل جهودها لكي تستقبل ملايين السياح سنويا وألغت تاشيرة الدخول من أغلب دول العالم ولم تفرض اي ضرائب أخرى وأنشات مراكز تسويق بدون ضرائب وعدة مطارات دولية في مختلف مدنها التي تميز باستقطابها السياح الاجانب .

ونتيجة لما يمر به العالم من ازمات اقتصادية وتغييرات مستمرة سواء كانت طبيعية او غير طبيعية وما يمر به العراق فلابد من اعادة النظر في الخطط الحالية والتوجه الى رسم الخطط الاستراتيجية لاستثمار ما يملكه العراق من امكانات كثيرة ومتنوعة. فبدلا من الازمات الاقتصادية التي تمر بها البلد بين حين واخرى،  فيمكن ان يكون من الدول التي في الصدارة اقتصاديا وسياسيا. فما ينقص العراق من مواكبة التقدم واستثمار امكاناته الاقتصادية اقل بكثير مما يحتاجه اغلب دول العالم. والمطلوب منا فعلا هو الارادة والادارة الجيدة في التخطيط ورسم استراتيجيات التطوير وتنويع التمويل حتى نكون في صدارة الدول العالم اقتصاديا وسياسيا.

وفي مقارنة بسيطة لوضع العراق مع الدول اعلاه فبامكان الحكومة الاستفادة من تجارب هذه الدول اذ لدينا ما لدى هذه الدول، لدينا النهرين دجلة والفرات ولدينا شط العرب، وبسهولة يمكن تشجيع الاستثمار الاجنبي وتسهيل العمل أمام الاستثمارات الاجنبية، وكذلك يمكن تنشيط الجانب الصناعي لما يمتلكه العراق من مقومات تعتبر اساسا في نجاح تطوير السياسات الاقتصادية والصناعية كما حدث في الدول التي سبق ذكرها في المقال.

بدلا من الاعتماد الكلي على النفط يمكن ان نعتمد بشكل كبير على الزراعة لما تتضمنه ارض العراق من مقومات النجاح الزراعي، وكذلك يمكن ايضا الاهتمام بالجانب الصناعي فضلا عن التجارة مع دول المنطقة، ويمكن ان يلعب العراق دورا متميزا في المنطقة اذا ما استثمرت امكاناته المادية والمعنوية واذا ما تمت ادارتها بالشكل الصحيح.