التمكين السياسي للمرأة وأثره في التنمية المستدامة

تاريخ النشر : 2019-06-24

 

م.د. آمنة محمد علي

جامعة بغداد- مركز دراسات المرأة

       تمثل مشاركة المرأة في المجالات التنموية عنصرا أساسيا من عناصر تطور المجتمعات والنهوض بها، ومن هنا فإن عملية إدماجهن في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل أوسع تتطلب تنمية قدراتهن وتطوير امكاناتهن، وهو مايطلق عليه بالتمكين والذي يعرفه البنك الدولي بأنه (توسيع قدرات الأفراد وإمكاناتهم في المشاركة والتأثير والتحكم والتعامل مع المؤسسات التي تتحكم في حياتهم، إضافةً إلى امتلاك إمكانية محاسبة هذه المؤسسات)(1)، فالتمكين يتيح للمرأة المشاركة في العملية التنموية، وعلى الأخص الجانب السياسي منها، فيما يتعلق بعملية اتخاذ القرار، وتعزيز وصولها إلى مناصب السلطة وصنع القرار، وزيادة نسبة تمثيلها فيها، من أجل المساهمة في تشريع القوانين التي تصب في صالح تنمية حقيقية ومستدامة في جميع المجالات. أما التنمية المستدامة فبقدر تعلقها بالإنسان تعرف على (إنها تنمية بشرية قائمة على تحسين مستوى الرعاية الصحية والتعليم والرفاه الاجتماعي) (2) ويمكن الاشارة الى مستويين من التمكين مترابطين ويكمل احدهما الاخرهما :

المستوى الاول (القيادة) ؛ والذي يتيح للمرأة فرصا لأداء ادوار مهمة ومؤثرة من خلال ما تمتلكه من قدرة على الادارة والتعاطي مع الازمات وما تتطلبه من حكمة وجدارة في تجنب الصراعات ، فالقيادات تصنف على انها نخب سياسية تؤدي أدوار مهمة في حياة مجتمعاتها. اذ تؤثر القرارات التي تشارك في صنعها ، والسلوك الذي تنتهجه في إصدار هذه القرارات وفي تنفيذها بشكل كبير في توجيه مسار المجتمع ورسم مستقبله, هذه القرارات تصدر عن مؤسسات كالمجالس التشريعية، والمناصب التنفيذية والتي تسير أمورها من خلال نخب.

وتعد القيادة إحدى أهم ضرورات تطور الشعوب ، وهناك ارتباط وثيق بين التقدم البشري والقيادة الناجحة، ومن هنا فإن اختيار العناصر النسوية التي تتمتع بقدرات ذاتية متوافقة مع ما تتطلبه الشخصية القيادية يعد من الامور الاساسية في تحقيق مبدأ الكفاءة ثم يأتي دور ما يقدم لها من دعم وتدريب وتنمية قدراتها لضمان فعالية اداءها للأدوار التي يمكن ان تناط بها في مجال القيادة، كما أن الحرية في اختيار القيادة السياسية عن طريق الانتخابات تمنحها الشرعية والقوة المستمدة من تأييد الناخبين، وتمهد لتعاونهم مع تلك القيادة بوصفها تمتلك الشرعية وتحظى بالرضا العام .

إن الاطلاع على ما يمكن للقيادات أو النخب أن تقوم به من أدوار في عمليات إصدار القرارات أو التشريعات ، أو تنفيذها هو الذي يرتبط برسم أدوار مثالية لها، فضلا عن الاطلاع على بعض الاساليب في الادارة التي مكنت قيادات في دول متقدمة من تأدية الأدوار المناطة بها، والتغلب على المعوقات التي أعاقت عملها، ما يجعل منها نموذجا يحتذى به في الدول النامية والتي تسعى الى احداث تنمية حقيقية بأن تستلهم منها سبل تحقيق النجاح.

ومن هذا المنطلق يمكن النظر الى دور المرأة القيادية من خلال ما حققته تجارب عالمية ناجحة عندما تولت نساء لديهن القدرة في القيادة والعمل السياسي فحققن نجاح ونتائج أفضل مما كان متوقعا وهي نماذج تصلح لتكون قاعدة انطلاق باتجاه دعم قضايا تمكين المرأة سياسيا وعلى مستوى القيادة، فضلا عن كونها الرد الأمثل على كل من يشكك بقدرات المرأة ويحكم عليها بما تفرضه عليه الموروثات والمعتقدات التي تقلل من شأن المرأة لاسيما في الدول النامية، فنساء كثيرات أثبتن جدارة وتفوق على قيادات رجالية مهمة، نذكر منهن على سبيل المثال المستشارة الالمانية (أنجيلا ميركل) التي استلمت منصبها كأول أمرأة تشغل منصب مستشارة في المانيا عام 2005 وكانت حينذاك المانيا تعاني من ازمات اقتصادية وسياسية داخلية وخارجية ومن خلال الرؤية المتكاملة في كيفية إدارة تلك الأزمات تمكنت من ايجاد حلول ناجعة لها .

 تم انتخابها في ايلول – سبتمبر 2017 للمرة الرابعة لتكون مستشارة المانيا، وقد حظيت بألقاب عدة تبرز أهميتها وقدراتها ، إذ أُطلق عليها لقب المرأة الحديدية وسميت مرتين ثاني أقوى شخص في العالم بواسطة مجلة فوربس الامريكية (المتخصصة في المعلومات عن الشخصيات المهمة والقضايا الاقتصادية) وهو أعلى تصنيف حققته امرأة، وفي 26 آذار 2014 أصبحت ميركل أطول رئيس حكومة في الاتحاد الأوروبي، وفي كانون الأول 2015 اختيرت من قبل مجلة التايمز كأبرز شخصية على مستوى العالم واصفة إياها كمستشارة للعالم الحر، و في أيار 2016، سميت ميركل أقوى امرأة في العالم برقم قياسي للمرة العاشرة من قبل فوربس.

 المستوى الثاني : يتمثل بالمرأة العاملة بوصفها جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي ومن قوة العمل والنشاط الاقتصادي، لذا لابد لها أن تضطلع بأدوار أساسية في مجال التنمية المستدامة ، وبحسب تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة فإن الهدف الأساسي للتنمية هو توسيع خيارات الناس ، وذلك من خلال توسيع القدرات البشرية والطريقة التي يعمل بها البشر، عن طريق المساواة في الفرص المتاحة للناس جميعاً في المجتمع، اي النساء والرجال.

ومع إن نسبة تعداد النساء في العالم تشكل ما يزيد بقليل عن النصف ، إلا أن مساهمتهن في المستويات المقيسة للنشاط الاقتصادي والنمو والرفاهية لا تزال أقل بكثير من المستوى الممكن، وذلك بحسب تقارير البنك الدولي والتي تؤكد على إن ذلك ينطوي على عواقب اقتصادية كلية وخيمة, في حين تشكل مشاركة المرأة في سوق العمل أهمية حيوية بالنسبة للاقتصاد الكلي. ويعتمد المستوى الثاني من التمكين بشكل كبير على ما يصدر عن المستوى الاول اي التمكين السياسي للمرأة ، والذي من خلاله يمكن دعم أوضاع سوق العمل ومعالجة التشوهات التي تعيق عمل المرأة وتهيئ ظروف متكافئة للجميع، وذلك من خلال التشريعات القانونية الداعمة لتمكين المرأة وتحقيق التنمية المستدامة. ومن هنا تبرز أهمية اقرار تلك القوانين  التي تتيح للمرأة فرصا تنموية ضمن نطاق التنمية البشرية المستدامة التي لا تنفصل عن التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المستدامة والتي يمكن تحقيقها من خلال ثلاثة مجالات هي:

1- الدخل : ويعد من العوامل الرئيسة في مجال التنمية الاقتصادية اذ يتيح المورد المالي كدخل ثابت فرصا باتجاه تطوير المعرفة من خلال زيادة معدلات التحاق الفتيات بالتعليم على سبيل المثال. فالمرأة يرجح لها بدرجة أكبر من الرجل أن تستثمر جزءا كبيرا من دخل أسرتها المعيشية في تعليم أبنائها, وتشير منظمة العمل الدولية إلى إن عمل المرأة، يمكن أن يكون أهم عامل على الإطلاق للحد من الفقر، ويمكن بالتالي أن تسفر زيادة مشاركة الإناث في القوى العاملة وحصولهن على دخل أكبر عن زيادة الإنفاق على التحاق الأطفال، بمن فيهم الفتيات، بالتعليم مما يتسبب في دورة حميدة، في حين يتسبب غياب تلك الفرص في كبح  النمو الاقتصادي .

إن  السكان في سن العمل يمثلون الطاقة الكامنة في المجتمع والقوى العاملة المتاحة في الاقتصاد , والذين تتراوح اعمارهم بين ) 15 - 65 ( سنة , وتشكل النساء نسبة 48.8%  من إجمالي الفئة المنتجة في العراق  في احصائية لعام 2008) . لذا فإن انخفاض معدل المشاركة في النشاط الاقتصادي لفئة السكان في سن العمل يؤدي الى ارتفاع معدلات الإعالة في الاقتصاد حيث يصبح هؤلاء العاطلين مستهلكين والبقية عليهم مسؤولية إعالة انفسهم وإعالة الفئة المستهلكة في الاقتصاد، وتشير نتائج المسوحات التي قام به الجهاز المركزي للإحصاء خلال الاعوام( 2004- 2018 )الى ان 11 % من الاسر العراقية تعيلها النساء وان 73.37 % من تلك الأسر تعيلها الأرامل وان 40%  من الأسر التي تعيلها النساء لم تتمكن من تجميع مبلغ مئة الف دينار في الشهر مقارنة بـ26% من الاسر التي يعيلها الرجال(3)  لذا فالتمكين أمر أساسي سواء كان في مفهوم التنمية البشرية أم في مفهوم التنمية الإنسانية. ولا يمكن أن يأخذ المفهومان بعديهما بشكل جدي وفعال إلا من خلال تمكين المرأة بحيث يمكنها من تحقيق ذاتها وحضورها وتعزيز قدراتها في المشاركة والاختيار.

2- التعليم : يعد التعليم أحد المرتكزات الأساسية في تمكين المرأة، وامتلاكها القوة، والمشاركة والقدرة على التأثير، فالتعليم يتيح للمرأة معرفة ذاتها وقدراتها لاسيما الوعي الفكري. وان ما يمكن للمرأة القيام به من ادوار في مجال العمل السياسي والاجتماعي وشغل الوظائف  وغيرها يتوقف تحقيقها على حصول المرأة على التعليم المناسب ، وإن عدم حصولها على التعليم يحجم من فرصها أو يحول دون ذلك. وعلى الرغم من اهتمام الاسر العراقية بتعليم الاناث الا ان النسبة تختلف بين الريف والمدينة كما تتأثر مسألة تعليم الاناث بعوامل عدة منها العامل المادي ، وتشير تقارير التنمية البشرية الى ان الإنفاق على التعليم وتحسين البنية التحتية في المناطق الريفية يساهم بتعزيز مشاركة الإناث في القوى العاملة ، ولابد لهذه المسألة ان تأخذ حيزا مهما من اهتمام المتصديين للعمل السياسي في دعم وتشجيع التعليم للإناث ، وفي وثيقتها الانمائية إطار (2014-2011)  وبالتعاون مع الحكومة العراقية ، عدت  الأمم المتحدة النساء جزءا من الموارد البشرية الحاسمة بالنسبة للعراق على المدى الطويل، ولابد من وضع حلول لمشكلة الأمية والتعليم والتمييز القائم على نوع الجنس في التعليم، لاسيما في المناطق الريفية التي تشهد تفاوت كبير بالنسبة للشابات (الذين تتراوح أعمارهم بين 15 - 24 عاما) حيث تبلغ نسبة الأمية( 20.5) وفقا لمجموعة المؤشرات المتعددة التابعة لليونيسف (4) ، وغالبا ما تظل العوامل الثقافية والاجتماعية التقليدية تمثل العقبات التي تحول دون تحسين فرص الحصول على التعليم.

3- الصحة: أحرز العراق تقدما هاما في مجال العناية بصحة الأمهات والرعاية الصحية مع نسبة الولادات ومن خلال الملاكات الطبية والتمريضية المهرة رفعت النسبة من72 % في عام 2000 إلى 90.9 % في عام 2012؛ ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى الكثير من الجهود للارتقاء بهذا المجال، ومن بين النساء العراقيات، 47.7 % من النساء يواجهن صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية من المؤسسات الصحية الحكومية بسبب نقص المال مقابل 40.6% من اللواتي لا يمكنهن الوصول إلى الخدمة (5)  . وعلاوة على ذلك، لا تزال نظرة المجتمع العراقي إلى المرأة بأن تؤدي الادوار التقليدية في ادارة المنزل، تحد من فرصها للحصول على العمل، فتضطر بعض النساء الى العمل في مجالات  قد تنتج عنها نتائج ضارة على صحتهن ,لاسيما في  القطاع الخاص الذي تمثل فيه نسبة الاناث العاملات 2% فقط من جميع قوة العمل ومن بين العاملات، تعمل 30.5 % في القطاع الزراعي، بحسب احصاء عام 2011، وبسبب الظروف المعيشية السيئة تصل النسبة إلى 81% من اللواتي يعملن في المناطق الريفية تكون صحتهن  معرضة للخطر والمرض، والمشاكل الصحية مثل سوء التغذية والامراض الجلدية وأمراض المعدة وكذلك عدم وجود الغذاء ومياه الشرب النظيفة (6)  هذه الارقام تؤشر لحالة خطيرة تتطلب جهود استثنائية للنهوض بالواقع الصحي للنساء الذي يرتبط بالواقع الاجتماعي والاقتصادي من خلال ما تقوم به المرأة من ادوار اساسية ضمن اطار الاسرة والنشاط الاقتصادي الذي يمكن ان تسهم فيه من اجل تنمية حقيقية ومستدامة.

مما تقدم يتضح بأن مسألة تمكين المرأة تكتسب أهمية كبيرة في النهوض بالواقع التنموي، والذي يتطلب مشاركة واستثمار كل الطاقات الموجودة في المجتمع لاسيما النساء بوصفهن نصف المجتمع، والتعليم هو أحد ضرورات تمكين المرأة، ويؤثر في الجوانب الصحية والاقتصادية لها ولأسرتها فالتعليم والصحة والدخل ثالوث متداخل ومترابط . إلا أن مسألة تمكين المرأة وتطوير قدراتها ترتبط ايضا بجوانب اجتماعية معيقة منها الموروث الثقافي الذي يحصر دور المرأة في الاسرة والانجاب وادارة المنزل، وعلى الرغم من أهمية هذا الدور إلا أن النساء غير المتعلمات او اللواتي تنقصهن المعرفة سيربين ابناء اقل تعليما واقل كفاءة، والنساء اللواتي لا يمتلكن موردا معيشيا مناسبا ليس بمقدورهن ارسال ابنائهن الى المدارس، بسبب تكاليف المعيشة مما يترتب عنه ارتفاع نسب الجهل والفقر، ويرتبط الجهل ايضا بالجوانب الصحية ومدى الاهتمام بها والاهتمام بصحة الأم والرعاية الصحية للام والطفل، وفي أغلب الاحيان يكون العوز المادي سببا في تردي الاوضاع الصحية للأسرة وهذا يقودنا الى القول بضرورة تمكين المرأة سياسيا كي يكون لها صوت مؤثر باتجاه دعم قضايا المرأة، وايجاد حلول للمشاكل التي تعاني منها النساء، والعمل على ازالة المعوقات بوجه تعليم المرأة وحصولها على عمل مناسب يتلائم ومجال اختصاصها لتتمكن من كسب عيشها والحصول على رعاية صحية مناسبة .