العراق في منظور ادارة ترامب

تاريخ النشر : 2019-05-09

ابراهيم العبادي

شغلت تصريحات وتغريدات السفارة الامريكية في بغداد، الرأي العام العراقي، وأثارات ردود افعال مستغرِبة ومستنكِرة وبعضها غاضبة مهدِدة، فلم يعهد من بعثة دبلوماسية ممارسة لغة هجومية وهجائية ضد بلد ثالث مثلما تفعل السفارة الامريكية، مع علمها الاكيد ان هذه المواقف تستثير ردود افعال لدى شرائح من العراقيين تتخذ موقفا رافضا و معاديا للسياسة الامريكية، ماعبر عنه القائم بأعمال السفير الامريكي في بغداد جوي هود من موقف تهديدي ضد بعض الفصائل العراقية، وماحملته تغريدات السفارة من حملة دعائية مضادة للزعيم الايراني السيد علي خامنئي، تشي بان سياسة التصعيد الامريكية ضد ايران تسير وفق مخطط مدروس، وان السفارة الامريكية في بغداد لم تعد كما في السابق حذرة في المواقف والتصريحات وبعيدة عن الانغمار العملي والعلني بما يصدر عن البيت الابيض او البنتاغون من مواقف وتصريحات ضد ايران، فمسؤولو الادارات السابقة كانوا على وعي بخصوصية الحالة العراقية وتعقيدها، وكانوا حذرين الى حدما وغير راغبين في زيادة حالة الاضطراب والتشنج السياسي أقليميا، المضرة باستقرار العراق وحلحلة مشاكله، المواقف الامريكية الجديدة، لم تعد تأخذ هذا العامل بالحسبان وهي ماضية في رفع وتيرة التصعيد دونما قلق من ارتدادات هذه المواقف والتصريحات امنيا وسياسيا في العراق . ماذا يعني ذلك ؟ الامر ليس مصادفة ولاناجم عن قلة خبرة، بل ينبغي التفتيش في عقلية مخططي ومديري السياسية في واشنطن، فوزير الخارجية بومبيو احد صقور الادارة، يؤمن ايمانا راسخا، بأن السياسة الخارجية وبضمنها عمل السفارة في بغداد يجب ان يكون هجوميا وصريحا لايداري وضع العراق ولا يساير مادأبت عليه الادارتان السابقتان لجورج بوش الابن واوباما، كان العراق مشكلة امريكية، سياسية وأمنية واستراتيجية وكانتا تفكران بالتعامل معه وفق هذا المنظور، في عهد ادارة ترامب، لم يعد العراق سوى مشكلة الادارات السابقة، وقد تم تجاوز اخر المحذورات بأعلان الانتصار على داعش في شباط الماضي حيث كانت ادارة ترامب تستعجل هذا الاعلان لهدف صار واضحا، وبالتالي لم يعد العراق بالدولة المحتاجة الى الرعاية والحضانة السياسية والامنية، لقد صار عليه ان يسدد الاثمان والديون كما تتصور ادارة ترامب ذات العقلية الزبائنية، واوضح مصاديق هذا الدين هو ان يكون جزء من السياسة الامريكية في المنطقة وليس خارجها . ادارة ترامب اخرجت العراق من سلم الاولويات الخارجية السابقة وصار ضمن الملفات الثانوية، فمشاكله السياسية والامنية والاقتصادية هو المعني بحلها، والامريكان باتو غير ملتزمين بشيء الا بمقدار مايحقق لواشنطن مصالح جيو ستراتيجية، هذا التبدل في الموقف الامريكي هو الذي جعل السفارة في بغداد اكثر جرأة واعلى صوتا، ويبدو انها باتت مستعدة لتلقي التهديدات الكلامية والعملية من خصوم هي تعرفهم وتضعهم على لوائحها، الحكومة العراقية التي تسعى الى تحييد العراق وابعاده عن شظايا الصراع الامريكي -الايراني وارتداداته وامتداداته، تواجه مهمة في غاية الصعوبة، فهي تبذل مساعي في منطقة رمادية بين خصوم لايريدون ترك العراق يعالج ازماته ومشاكله بدون ان تضاف لها مشكلات الصراع الجديد في المنطقة، الدبلوماسية العراقية تحتاج الى قوة دفع ونشاط اكبر لشرح وجهة النظر العراقية لدى الفاعلين المؤثرين في المؤسسة الامريكية الحاكمة، السفارة في واشنطن لاتستطيع ان تقوم بالمهمة لوحدها، والاتصالات الهاتفية بين واشنطن وبغداد، غير كافية ايضا لترسيم صورة متكاملة عن الحرج العراقي، المتابعة والمثابرة وبيان كلفة المخاطر ربما تصل الى اذن ترامب، غير ذلك يعني ان الثنائي بومبيو -بولتن، سيسدان اذانهما عن كل صوت عراقي يدعوا الى ابقاء العراق ضمن الاولويات التي تحتاج الى رعاية خاصة وليس الى مجازفة رعناء .