توظيف ابعاد القوى الجيوبولتيكية للعراق في محيط اقليمي مضطرب

تاريخ النشر : 2019-04-21

 

 

علي زياد العلي

باحث متخصص في الشؤون الدولية والاستراتيجية

مركز النهرين/ وحدة الجيوبولتيك والسياسات الاقليمية

يمكن القول ان من قدر العراق الجيبولتيكي ان يكون في محيط اقليمي مضرب، يقع بين ثلاث من اقوى القوى الاقليمية (تركيا ايران السعودية)، والتي تمثل عامل ديناميكية لمؤشرات الاستقرار الداخلي في العراق، ومن أجل ترسيخ الاحاطة الاستراتيجية وتنضيج وتوظيف ابعاد القوة، لابد لنا من قراءة معادلة القوة الجيبولتيكية للعراق، فلكل دولة في البيئة الاستراتيجية العالمية والاقليمية نقاط ضعف وقوة في نفس الوقت، وللأسف الشديد يعتقد بعض المحللين الاستراتيجيين والساسة ان العراق من الناحية الجيوبولتيكية يعاني من حالة ضعف حتمية فرضها التاريخ والوقع علينا، لكن اذا ما حللنا الواقع الجيوبوليتيكي للعراق من منهج استراتيجي يعتمد على التحديات والفرص (القوة والضعف)، يمكن لنا ان نجد عكس ما يعتقد البعض حول المكانة الجيوبولتيكية المتواضعة، اذ سنصل الى ان المكانة الجيوبوليتيكية للعراق كبيرة وأن الامكانات التي يتمتع بها حيال محيطه الاقليمي يمكن ان يكون لها تأثير كبير يجني منه عوائد ومكاسب استراتيجية كبيرة، لكن المشكلة تكمن في ايجاد القدرة على توظيف وتنضيد عناصر القوة والضعف الجيوبولتيكية، فانعدام وجود معادلة التوظيف الجيوبولتيكية والتي  تذلل من عناصر الضعف والترهل وتحديدها، فضلا عن قدرتها على توظيف عناصر القوة وتنضجيها لأجل الوصول الى حالة من التكامل ما بين الفصل والتحديات الجيوبولتيكية للعراق بصورة استراتيجية تخدم مصالح ومواقف العراق الخارجية، ومن اجل الوصول الى هذه المرحلة لابد لنا من التطرق الى مكامن القوة والضعف وآليات توظيفها من خلال الاتي:

 

اولاً: تحليل مكامن القوة والضعف الجيوبولتيكية للعراق

مما لاشك فيه، ان العراق يعاني من بعض مكامن الضعف الجيوبولتيكية، والتي تشكل بدورها محدد من محددات تقويض القوة والتأثير الداخلي والخارجي، فوجود حالة من عدم الانسجام في مكان القوة الجيوبولتيكية تعظم وتعضد حالة الضعف التي تصيب منظومة التأثير الاستراتيجي، هذه الاشكالات هي ليست ثابتة وحتمية بحث تكون ملاصقة للمنظومة الجيوبولتيكية وانما هي وليدة تراكمات من الاخفاقات للسياسات واستراتيجيات العقود سابقة بحيث ولدت حالة من عدم الانسجام وترهل لبعض الوحدات الجيوبولتيكية للعراق، ويمكن التطرق اليها بالاتي:

1_ اللااستقرارية في البيئة الامنية: العراق اليوم رغم سيطرته على كامل اراضيه الا ان الامن الاستراتيجي الخاص به  يعني من حالة من التهديد بصورة  مباشرة وغير مباشرة هذا التهديد هو بمثابة حالة ضعف في منظومة القوة الجيوبولتيكية للعراق.

2_ الازمة الاقتصادية: يمثل الوضع الاقتصادي الهش في العراق مكمن من مكامن الضعف الجيبولتيكية نتيجة اعتماده على الاقتصاد الاحادي والذي يعتمد على تصدير النفط، وبالتالي يمثل هذا العامل احد اهم مكامن الترهل في بنية القوة الشاملة للعراق.

3_ البيئة الجغرافية: فتشكل هي الاخرى عقدة جيوبولتيكية حيال مكانة العراق الاقليمية، فالعراق اليوم على جوار مع ست دول متناقضة السياسات، حيث يعتمد العراق على  معظم  مبادلاته الخارجية من منفذ  بحري واحد، كما انه يعتمد بشكل كامل على تركيا وايران من الناحية الجيومائية، فضلاً عن ترهل وقلة البنية التحتية المائية خصوصا في مجال كفاءة السدود وعددها.

4_ امن الحدود: تشكل مشكلة الحدود احدى اهم المشكال الاستراتيجية والتي تمثل تقويض حقيقي لمكانة العراق الجيوبولتيكية في المنطقة، هذه المشكلة لها تداعيات سلبية على واقع الامن الوطني العراق خصوصا، وبالتالي تنبلج لنا سلسلة من الارهاصات تتعلق بمواقف ومصالح العراق الاقليمية والدولية.

5_ اشكالية التفاعل الداخلي: ان عملية التفاعل الداخلي للعراق لها بعض التداعيات السلبية على المكانة الجيوبولتيكية للعراق في المحيط الاقليمي والدولي خصوصا اذا انتجت عملية التفاعل الداخلي مخرجات سلبية تقوض من وحدة القرار الخارجي حيال المواقف الاقليمية.

ثانياً: مكامن القوى الجيوبولتيكية للعراق

كما ذكرنا سابقاً، لا يوجد دولة في البيئة الاستراتيجية تعاني من حالة ضعف ومأزق في قوة الجيوبولتيكية، حيث يمكن للمحلل الاستراتيجي الاحترافي اذا ما توفرت له الامكانات المناسبة ان يوظف مكامن الضعف لأجل تعضيد القوة المتاحة للدولة، فالعراق اليوم من الناحية الجيوبولتيكية له مكانة استراتيجية كبيرة في منطقة الشرق الاوسط، نضجت ملامح هذه المكانة من خلال صراع القوى الاقليمية والعالمية عليه، لذا فإن اولى ملامح القوة الجيوبولتيكية للعراق هو موقعه الجغرافي الذي يتوسط ست دول، ثلاثة منها تمثل قوى اقليمية (تركيا ايران السعودية)، فضلا عن مكامن اخرى للقوى الجيوبولتيكية سوف نتطرق اليها بالاتي:

 

  1. الثروات الطبيعة: يحتل العراق راس قائمة دول الشرق الاوسط في مجال الثورات الطبيعية، إذ يمتلك النصيب الاكبر من مخزونات الطاقة الاستراتيجية خصوصا من النفط والغاز، فضلاً ثروات دينامية تتجلى بالإنتاج الزراعي.
  2. الديموغرافية: تمثل بدورها قوة جيوبولتيكية للدولة، خصوصاً وان العراق قارب على 39 مليون نسمة هذه النسبة الكبيرة من الديموغرافية موزعة بشكل شبه متزن بين المحافظات والبلدات العراقية، هذا الكثافة والتوازن تشكل بدورها مكمن قوة جيوبولتيكية اكثر من كونها عامل ضعف وترهل لقوة الدولة.
  3. الدين: العراق بلد متعدد دينياً وعرقياً، وهذا  التعدد والتنوع  في حد ذاته  يمثل نقطة قوة ومكسب استراتيجية لقوة الدولة الشاملة من خلال توظيف ادارة التأثير الاقليمي لبعض الرموز الدينية والروحية في المنطقة.
  4. الاقليم: تتمثل المكانة الجغرافية للعراق عامل قوة استراتيجي كونه يمثل حلقة وصل ما بين اسيا وأفريقيا وأوروبا، هذا التواصل يمكن توظيفه في قطاع الطاقة والنقل والاستراتيجية الخارجية بشكل منفد وازدواجي في نفس الوقت.

 

ثالثاً: آليات توظيف القوة الجيوبولتيكية للعراق

ان احد اركان قوة الدولة هي حسن ادارة التوظيف الاستراتيجي، حيث ان مبدا ادارة التوظيف يمثل ركن اساسي في صياغة ابعاد القوة من خلال توظيف نقاط القوة تذليل اركان الضعف باتجاه ما يخدم مصالح الدولة الشاملة، وبخصوص ادارة توظيف القوة الاستراتيجية للعراق وخصوصا القوة الجيوبولتيكية، لابد من الاشارة الى ان العراق اليوم يعاني من ضعف واخفاق في توظيف ابعاد القوة بشكل كبير، وبالتالي لابد لنا من تعضيد القوة الجيوبوليتيكية للعراق بما يخدم مصالح العراق وتوجهاته الخارجية.

ويمكن التطرق الى آليات توظيف القوة كالاتي:

  1. المكانة الجغرافية: العراق اليوم يقع في محيط جغرافي مضطرب ومنقسم جيواستراتيجياً على ثلاث محاور (التركي، الايراني، السعودي)، وبالتالي فإن الانضمام الى محور دون الاخر سيشكل إخلال في مصالح العراق الاستراتيجية الداخلية والخارجية، ومن اجل تعضيد المصالحة الاستراتيجية لابد من اتخاذ موقف الموازن حيال القوى الثلاثة فضلاً عن تعضيد قوته الخارجية بتحالفات عابرة للحدود من خلال ترسيخ العلاقة مع الولايات المتحدة عبرة سلسلة اتفاقات استراتيجية مع ضرورة تعميق العلاقة مع القوى الاوربية.
  2. التأثير الديني: كما هو معروف لدى الجميع ان العراق هو مهد الاديان والطوائف في الشرق الاوسط، هذا التعدد والتنوع يشكل مكمن للقوة الجيوبولتيكية للعراق حيال جواره الاقليمي، وبالتالي لابد من ادارة المكمن بأسلوب احترافي يجني منه عوائد استراتيجية تخدم مصالح العراق الخارجية والداخلية، وتعضد من مواقف العراق الاقليمية، دون ان يكون هناك تداعيات سلبية تترتب على التوظيف السيئة والادارة الفاشلة لهذه القوة التي تشبه نوعا ما القوة الجاذبة للمصالح والتي دائما ما تعتمد على الطبقة الشعبية.
  3. المكانة الاستراتيجية: تشكل المكانة الاستراتيجية للعراق مكسب كبير، حيث تشكلت ملامحها من ابعاد وملامح المشهد الجيواستراتيجي للشرق الاوسط والذي يغلب عليه حالة الصراع والتنافر بين الاقطاب حيث عانى العراق من هذا الانقسام وانعكس بشكل مباشر على المشهد الامني والسياسي الداخلي، ومن اجل توظيف هذا المشهد لصالح العراق في الداخل والخارج لابد من تبنى سياسة خارجية اكثر انفتاحا على المحيط الاقليمي المضطرب والعمل على كسب جمع الاطراف وجني الدعم المالي والدبلوماسي .
  4. المكانة الطاقوية: العراق دولة نفطية لها مخزون طاقوي كبير جداً، حيث تطمح جميع القوى الاقليمية والعالمية الاستفادة من هذا المخزون الهائل، لذا يمكن للعراق الاستفادة من الشراكات الاقليمية من اجل تنمية هذه القطاع بشكل واسع وكبير، كما يمكن للعراق استغلال مكانته الجغرافية ليكون محطة من محطات النقط والتصريف الطاقوي الى اوروبا خصوصا في مجال نقل الغاز والمنتجات البتروكيمائية.
  5. المواصلات الاستراتيجية: تمثل هذه الدائرة اهمية كبيرة في الخانة الجيوبوليتيكية للعراق، حيث يمكن استغلال المكانة الجغرافية للعراق لصالح قطاع النقل الخارجي، خصوصا ما بين منطقة الخليج العربي ومنطقة جنوب شرق اوروبا.

وانطلاقاً مما سبق، يمكن الجزم بان العراق له مكانة جيوبولتيكية كبيرة، انطلاقا من حجم وكيفية القوة التي يمتلكها، حيث يمكن توظيفه في اتجاه ما يخدم المصالح الاستراتيجية للدولة، بشرط الانطلاق برؤية استراتيجية شاملة تعتمد على توظيف معادلة القوة الجيوبولتيكية  والتي تعتمد على الفرص والتحديات كمنطلق توظيفي لها من خلال تذليل عناصر الضعف وتبويبها بتجاه ما يعضد القوة الاستراتيجية للدولة العراقية في المحيط الجيوبولتيكي المضطرب.