دراسة : العراق والاردن: مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي المشترك

تاريخ النشر : 2019-02-10

د. أحمد يوسف كيطان/ قسم الدراسات الاقتصادية

للاطلاع على الدراسة بصيغة pdf اضغط هنا

  • مقدمة:

شهدت العلاقات العراقية الأردنية منذ تأسيس الدولتين في عشرينيات القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر تقلبات وانعطافات عديدة، نتيجة للأحداث والأزمات التي شهدتها المنطقة والتي القت بظلالها على طبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين، ولعل التطورات التي شهدتها المنطقة العربية منذ العام(2003) والتي أشرت لبداية مرحلة جديدة في النظام الاقليمي العربي، كانت ابرز ملامحها فتور العلاقة بين العراق الذي يشكل احد اهم دعامات النظام العربي وبين معظم الدول العربية، تمثّل ذلك بإغلاق جميع السفارات العربية المعتمدة في العراق بما فيها السفارة الاردنية، لتسود بعد ذلك حالة من الترقب والشك تجاه الواقع السياسي الجديد في العراق بعد تحوله الى تطبيق أُسس جديدة في الحكم تقوم على مبادئ الديمقراطية والنظام البرلماني، والذي مثل بدوره تحدياً كبيراً للنظم السياسية الحاكمة في الدول المجاورة.

لقد مثلت علاقة العراق بالأردن لعقود أنموذجاً للعلاقة الإيجابية القائمة على التعاون والتنسيق الفاعل في المحيطين الاقليمي والعربي، إلّا أنها شهدت منذ العام(2003) حالة من الفتور والشك نتيجة تباعد الرؤى واختلاف المواقف حول العديد من القضايا الداخلية والخارجية، على الرغم من المحطات الايجابية التي تخللت هذه المرحلة والتي كان ابرزها زيارة الملك عبد الله الثاني للعراق في آب العام(2008) كأول زيارة لزعيم عربي للعراق منذ الاطاحة بالنظام البائد، والتي أشرت لبداية انفتاح أردني وعربي على العراق.

لقد جاءت زيارات المسؤولين الاردنيين الاخيرة الى بغداد وعلى رأسها زيارة الملك عبدالله الثاني ورئيس وزراءه تعبيراً عن توجه اردني نحو تعميق العلاقات مع العراق، وسط حراك دبلوماسي دولي مكثف أطرافه الولايات المتحدة وايران وفرنسا والأردن ساحته العراق، في وقت تترقب فيه المنطقة تداعيات فرض العقوبات الامريكية على ايران وانعكاساتها المحتملة على أمن واستقرار دولها. فما هي معطيات هذا التوجه وأهدافه ونتائجه على علاقات البلدين الجارين؟

 

  • حسابات جيوستراتيجية

مما لاشك فيه، إن تقويم أي علاقة بين دولتين يتطلب النظر اليها في أطار الحسابات الجيوستراتيجية التي تحكم توجهات كل دولة منهما تجاه الاخرى، والتي تحدد بدورها طبيعة العلاقة بينهما سواء كانت قائمة على الصراع او التعاون او التنافس، بالتالي فإن تحليل بنية العلاقات العراقية-الاردنية يستلزم النظر في الابعاد الجيوسياسية والجيواقتصادية التي تستند عليها حسابات كل دولة منهما في التعامل مع الأخرى.

العراق، على الرغم من كونه دولة غنية بمواردها الطبيعية وامكاناتها الاقتصادية، لكنها من ناحية موقعها الجغرافي يعاني من كون موقعه طرفي يقع في أقصى الشمال الشرقي للوطن العربي، ولذلك الموقع أكثر من دلالة جيوستراتيجية: فالعراق لا يمكن أن يستمتع بمزايا الموقع الجغرافي المركزي أو الوسطي في المحيط العربي، وهو الموقع الذي يعطي صاحبه ميزة التأثير الاكبر في صياغة الاجندة الادراكية على المستوى العربي العام، وهذا الموقع الطرفي من ناحية ثانية يضع العراق في مواجهة مع دول غير عربية(تركيا وايران) قوية جيوسياسياً واقتصادياً وعسكرياً وبشرياً، كانت وماتزال له معها علاقات تنافس محكومة بتاريخ من العلاقات المعقدة، ومن ناحية أخرى فإن العراق يكاد يكون دولة برية مغلقة أو حبيسة أوهي أشبه بذلك، فليس له سوى اطلالة واحدة محدودة للغاية على الخليج العربي عبر شط العرب وصولاً الى ميناء أم قصر. هذا الموقع المغلق للعراق يجعله يحتاج من الناحية الجيوستراتيجية لدول ثلاث يمكن أن تمده بمنافذ عظيمة الى البحار، وهذه الدول هي: اولاً/ الكويت والتي يمكن ان تفتح للعراق رئة على الخليج، ثانياً/ سوريا وهي منفذ العراق الى البحر المتوسط، ثالثاً/ الاردن وهي منفذه الى البحر الاحمر، واللافت للنظر ان العراق لم يستطع تاريخياً أن يؤسس علاقة خاصة متقدمة مع أي من هذه الدول المهمة جداً للمصالح الاستراتيجية العراقية باستثناء فترات محددة، لذا فإن تقوية علاقات العراق بالأردن -الذي يتشارك معه بحدود يبلغ طولها(179)كم- في هذا التوقيت يمثل مصلحة استراتيجية عليا للعراق([1]).

اما بالنسبة للأردن، فإنه يعاني شحة الثروات الطبيعية وضعف الامكانات الاقتصادية، كما ان موقعه الجغرافي الذي تتقاسم حدوده خمس دول (العراق، سوريا، السعودية، مصر، اسرائيل) هي اقوى منه في الميزان العسكري، جعل هذا الواقع من الاردن "دولة مواجهة" وهو ما فاقم مشاكله الامنية وضغوطاته السياسية في ظل ضعف امكاناته الاقتصادية وتواضع قوته العسكرية، وهذا الامر فرض على الاردن أن تكون سياساته الاقليمية لاسيما تجاه دول الجوار متسمة بالاعتدال والتوفيقية والوسطية، لذا فإن توجهه نحو اقامة علاقات طيبة مع العراق، يمثل له اولوية جيوستراتيجية كبرى تساعده على مواجهة ازماته الاقتصادية المتوالية، ووضعه الامني المهدد من اكثر من جهة في ظل تعاظم خطر التنظيمات الارهابية واستمرار الصراع في سوريا.  

 

  • آليات التعاون المشترك بين البلدين

بعد العام(2003)، سعى البلدان الى تأسيس عدد من آليات التعاون المشتركة، تتولى تنظيم العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات، وأهم تلك الآليات هي:

اولاً/ اللجنة العليا العراقية-الأردنية: عقدت اللجنة العليا العراقية-الأردنية اجتماعها الأول بتاريخ 3/11/2004، حيث قام رئيسا وزراء البلدين آنذاك بتوقيع محضر الاجتماع الأول للجنة، والذي يوضح الآلية التي تحكم عمل الإطار الهيكلي للتعاون بين البلدين، حيث تضمن المحضر ما يلي:

  1. الاتفاق على الآلية التي تحكم عمل الإطار الهيكلي للتعاون بين البلدين، وهي كالآتي :
  • تتشكل اللجنة العليا برئاسة رئيسا الوزراء في كلا البلدين، وتضم في عضويتها كلاً من وزراء الخارجية والتخطيط من كلا البلدين، كجهة منسقة، والوزراء أصحاب العلاقة في المواضيع المدرجة على جدول أعمال اللجنة، على أن تعقد اللجنة اجتماعها مرتين في السنة.
  • تشكيل اللجان القطاعية برئاسة الوزراء المعنيين في كلا البلدين، وتضم في عضويتها الخبراء وذوي العلاقة من القطاع العام وممثلين عن القطاع الخاص حيثما اقتضت الحاجة، وهذه اللجان هي: (لجنة التجارة، لجنة النقل، لجنة النفط والطاقة، لجنة التعاون المالي والمصرفي، لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، لجنة التعاون الصحي، لجنة التعليم والبحث العلمي، لجنة العمل والتدريب، لجنة تشجيع الاستثمار، لجنة الشؤون العسكرية والأمنية).
  1. تشكيل لجنة التنسيق والمتابعة: حيث تم اعتماد وزارتيّ الخارجية والتخطيط والتعاون الدولي في المملكة الأردنية الهاشمية، ووزارتيّ الخارجية والتخطيط والتعاون الإنمائي في جمهورية العراق لتنسيق أعمال اللجنة العليا، ومتابعة تنفيذ برنامج عملها واللجان القطاعية المنبثقة عنها، كما تضمن محضر الاجتماع اتفاق الطرفان على أن يكون للجنة التنسيقية مكتب مقرّه في وزارة التخطيط في كلا البلدين، تناط به المهام التالية: (تنسيق أعمال اللجنة العليا، الدعوة لعقد اجتماعات اللجنة العليا وتحضير جدول الأعمال، إعداد محاضر الاجتماعات، الأرشفة والتوثيق لأعمال اللجان، التنسيق بين عمل اللجنة العليا واللجان القطاعية، أية مهام أخرى).

ثانياً/ المنطقة الحرة العراقية-الاردنية: تم تأسيس هذه المنطقة في معبر الكرامة الحدودي مع العراق في كانون الاول(2004)، لتسهيل تجارة الترانزيت والمبادلات التجارية الدولية والصناعات التصديرية وخدمة المستثمرين العراقيين والاردنيين والمستثمرين من مختلف دول العالم، حيث تم تخصيص عشرة آلاف دونم لإقامة منطقتي تجارة حرة عامة وأخرى خاصة متعددة الاغراض.

ثالثاً/ تأسيس مكتب البعثة المؤقتة للبنك الدولي في عمان: تم تأَسيس مكتب البعثة المؤقتة للبنك الدولي في عمان بعد توقيع اتفاقية بين البنك الدولي ووزارة التخطيط والتعاون الدولي في الحكومة الاردنية، بتاريخ 12/4/2004 وذلك لإدارة عمليات البنك الدولي في العراق من الأردن، نظراً للظروف الأمنيّة للعراق في ذلك الوقت ثم انتقل مكتب البعثة بعد ذلك الى المنطقة الدولية(الخضراء) في بغداد بتاريخ 30/8/2015. وقامت بعثة البنك الدولي طيلة الفترة ما بين(2004-2015) بتنظيم البرامج التدريبية في الاردن لبناء قدرات العراقيين، وخاصة في مجال الإحصاء، وإدارة المشاريع الصغيرة، وبناء القدرات في مجال استراتيجية الاتصالات، وتشجيع الاستثمار، وسوق العمل العراقي وأساليب تطويره، وإدارة الديون وغيرها([2]).

رابعاً/ تدريب الكوادر العراقية من خلال برنامج التدريب(Third Country Training Programme): تم توقيع اتفاقية بين وزارة التخطيط والتعاون الدولي الأردنية والحكومة اليابانية لتدريب وتأهيل الكوادر العراقية في مختلف المجالات في الأردن، وقام البرنامج بخطوات كبيرة في مجال تدريب الكوادر العراقية في الأردن، سواء المدنية منها أو العسكرية، بهدف تعزيز القدرات البشرية العراقية بحيث تكون قادرة على المشاركة بشكل فاعل في عملية إعادة إعمار العراق. ويعد هذا البرنامج التدريبي من أهم الأنشطة التي تتابعها الحكومة الأردنية وتبذل جهوداً حثيثة لتعظيم استفادة العراقيين منها من خلال الخبرات والكفاءات الأردنية والدولية في المجالات المختلفة، وينفذ هذا البرنامج بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والجهات المانحة الأخرى والتي من ضمنها الوكالة اليابانية للتعاون الدولي([3]) .

 

  • الاقتصاد

يشكل العامل الاقتصادي عصب العلاقات العراقية-الاردنية، ويمثل النفط عنصراً مهماً في هذه العلاقات، فمنذ ثمانينات القرن الماضي مثلت التجارة مع العراق أهم أركان الاقتصاد الأردني ليس هذا فحسب، حيث  قام العراق بتأمين معظم احتياجات الأردن من الطاقة بأسعار دون أسعار السوق، وفي اواخر التسعينيات شكل النفط العصب الرئيس لازدهار تجارة الأردن مع العراق، حيث غضت إدارة الرئيس الامريكي(كلينتون) آنذاك الطرف عن ذلك، واعتبرته حلاً وسطاً لا يمكن تجنبه من أجل الإبقاء على نظام العقوبات الدولية الواسع النطاق على العراق، حيث باع العراق النفط إلى الأردن بأسعار دون مستوى أسعار السوق بعد تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء، ففي العام(٢٠٠٠) عندما كانت أسعار النفط نحو(٣٠) دولاراً للبرميل، حصل الأردن على النفط العراقي بسعر(٩٫٥)دولار للبرميل، وعلاوة على ذلك سمح العراق للأردن بأن يسدد ثمن النفط المدعوم على شكل سلع استهلاكية، وتم منح بعض الشركات الأردنية بصفة أساسية احتكاراً في توريد سلع معينة، واصبح ذلك بمثابة منحة سنوية فعلية من العراق للأردن تتراوح قيمتها بين(٤٠٠-٦٠٠)مليون دولاراً تقريباً، وبقي الميزان التجاري آنذاك يميل لصالح العراق، حيث بلغت المستوردات الأردنية من العراق في العام(2000) نحو(682.6)مليون دولار، إذ كان الاردن يستورد من العراق عدداً من السلع أهمها: سماد اليوريا والحديد ومشتقاته، ومواد كيميائية، والألمنيوم ومشتقاته، والتبن والقش، أما أهم الصادرات الأردنية إلى العراق فتمثلت في مواد الحليب، والخضار والفاكهة، والسمن النباتي، والمشروبات الغازية، والإسمنت، وأسلاك الكوابل، ومستحضرات الغسيل، وزيوت التشحيم، والبلاستيك، وسماد ثنائي فوسفات الأمونيا([4]).

أما بعد العام(2003)، فقد واجهت العلاقات الثنائية تحدياً كبيراً لاسيما من جهة الاردن، إذ كان عليه إما أن يعيد هذه المعاملة السخية من جانب العراق أو أن يجد بديلاً لها، لكن مخاوف الاردن هدأت قليلاً، حيث ان دوره كـ"بوابة مرور" للعراق بقي مستمراً بسبب حالة عدم الاستقرار الذي يعيشها العراق، واحتفظ الاردن بتجارة قوية مع العراق وتحول جانب كبير من العلاقة التجارية العراقية-الأردنية إلى القطاع الخاص الأردني، ونشط سوق العقارات نتيجة هجرة عدد كبير من العراقيين حيث توسعت الكثير من المشروعات التجارية الأردنية نحو العراق، وحتى سوق السيارات المستعملة حقق طفرة كبيرة منذ الحرب، حيث أن القواعد المرنة المتبعة في الاردن فيما يتعلق بالصفقات المالية أدت إلى زيادة الأرصدة العراقية في القطاع المصرفي المتنامي في الأردن، وإن كان الافتقار إلى الشفافية ظل يقلق السلطات العراقية والأميركية على السواء، ومنذ العام(2004) أصبح الميزان التجاري يميل لصالح الأردن، حيث وصلت الصادرات الأردنية للعراق إلى نحو(510.5) مليون دولار مقابل(64.3) مليون دولار من المستوردات([5])، وازداد حجم التبادل التجاري بين البلدين منذ العام (2008) ليرتفع الى اكثر من مليار دولار، ففي ذلك العام تم توقيع مذكرة تفاهم تسمح للأردن باستيراد النفط العراقي بسعر يقل بـ(18)دولار للبرميل الواحد عن السعر العالمي على ان يزود العراق بموجبها الاردن بـ(10)الاف برميل نفط يومياً، وفي العام(2013) بلغ حجم الاستثمارات العراقية الإجمالية في الأردن نحو(12)مليار دولار، كما بلغ عدد المستثمرين العراقيين في بورصة عمان نحو(3000)مستثمر يملكون(96)مليون ورقة مالية، حيث قُدّرت قيمة استثمارات العراقيين في بورصة عمّان بنحو(295)مليون دينار اردني أو ما نسبته(1.6%)من اجمالي القيمة السوقية لبورصة عمّان، أما في السوق العقارية الأردنية فقد اظهرت بيانات دائرة الأراضي والمساحة أنّ العراقيين يستحوذون على أكثر من (50%) من قيمة المشتريات العقارية، وفي مجال السياحة اشارت بيانات وزارة السياحة والآثار الأردنية عام(2012) الى إنّ عدد الزوار العراقيين إلى الأردن بلغ نحو(364)ألف زائر، وبلغت حصيلة الدخل السياحي المتأتي منهم نحو(273) مليون دينار، كما ان هنالك نحو(200)مصنع في المناطق الحرة الاردنية -تعود ملكية (70%)منها لمستثمرين عراقيين- تقدر صادراتها بنحو(600)مليون دولار سنوياً تعتمد بشكل رئيس على تصدير منتجاتها الى السوق العراقية، ومن ناحية اخرى، اتفق البلدان في العام(2013)، على مد خطي أنابيب نفط وغاز بطول (1700)كم يربط حقول البصرة بميناء العقبة الأردني([6])، لكن سقوط محافظة الانبار بيد تنظيم داعش حالت دون المضي في تنفيذ المشروع.

وبعد سيطرة تنظيم داعش على محافظة الانبار في العام(2014)، انخفضت عمليات التبادل التجاري بين الأردن والعراق بشكل مضطرد فبعد ان بلغت في العام(2013) نحو(1.3)مليار دولار، انخفضت الى نحو(1.2)مليار دولار في العام(2014)، ثم الى(749)مليون دولار في العام(2015)، والى(497)مليون دولار في العام(2016)، ثم ارتفعت قليلاً الى(541)مليون دولار في العام(2017)، لتعود وتنخفض في العام(2018) الى نحو(400)مليون دولار وذلك بحسب بيانات البنك الدولي([7])، حيث أثر اغلاق منفذ(طريبيل-الكرامة) الحدودي سلباً على عمليات التبادل التجاري بين البلدين بعد سيطرة عصابات داعش الارهابي عليه، وتضررت معها مشاريع مستثمرين عراقيين وآخرين في المناطق الحرة الأردنية وتكبدت خسائر فادحة، وتجدر الاشارة الى أن هذا المعبر الحدودي -وهو المعبر الوحيد بين البلدين- قد تمت اعادة فتحه من جديد في ايلول العام(2017)، بعد تحريره.

وفي نهاية كانون الاول من العام(2018)، زار رئيس الوزراء الاردني العراق، حيث مثلت تلك الزيارة تطوراً هاماً في علاقات البلدين على الصعيد الاقتصادي، وجرى الاتفاق خلالها على الآتي([8]):

  1. في قطاع النقل:
  • فتح المعبر الحدودي(طريبيل-الكرامة) امام حركة النقل(Door to Door)، للبدء بتسيير الرحلات للبضائع سريعة التلف اعتباراً من 2 شباط (2019)، على ان يشمل كافة انواع السلع بعد ذلك.
  • منح التسهيلات للبضائع العراقية المستوردة عن طريق ميناء العقبة خصماً قدره(75%) من الرسوم التي تتقاضاها سلطة ميناء العقبة الاقتصادية على البضائع.
  • عقد اتفاقية ما بين طيران الملكية الاردنية والطيران العراقي من اجل التعاون المشترك في مختلف المجالات، مثل: (الرمز المشتركCode Share، التدريب والتعاون في كافة مجالات الطيران والنقل الجوي).
  1. في قطاع الصناعة والتجارة:
  • تفعيل قرار مجلس الوزراء العراقي لعام(2017)، بإعفاء عدد من السلع الاردنية من رسوم الجمارك، وذلك اعتباراً من 2 شباط (2019).
  • اتخاذ مجلسي الوزراء في كلا البلدين قراراً بتخصيص اراضي على الحدود العراقية-الاردنية بعمق(2كم) على طرفي الحدود وطول(6كم) للشركة الاردنية-العراقية، ومنحها الاعفاءات اللازمة، والانتهاء من اعلان طلب استدراج العروض لإعداد المواصفات الفنية للمنطقة الصناعية الاردنية-العراقية المشتركة بتاريخ اقصاه 2شباط(2019)، وذلك تمهيداً لقيام الشركة بعرض المنطقة الصناعية على القطاع الخاص للتشغيل والادارة.
  1. في قطاع المالية: تشكيل لجنة فنية مالية قانونية بين الجانبين لوضع حلول للملفات المالية العالقة بين البلدين.
  2. في قطاع الطاقة:
  • تم الاتفاق على الربط الكهربائي الاردني-العراقي من خلال شبكة الربط، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم بهذا الشأن اتفق الطرفان فيها على المباشرة باتخاذ الاجراءات اللازمة لتسريع عملية تزويد الاردن الطاقة الكهربائية للعراق، من خلال الربط المباشر لشبكتي الكهرباء في البلدين وبطاقة(300)ميغاواط.
  • تم الاتفاق على الانتهاء من الاتفاقية الاطارية لأنبوب النفط العراقي-الاردني، والذي سيمتد من البصرة الى العقبة عبر مدينة حديثة، وذلك في الربع الاول من العام(2019).
  • تم الاتفاق على ان تتوصل اللجان الفنية لتحديد تفاصيل النقل والتسعير لتصدير النفط الخام العراقي للأردن قبل 2 شباط(2019).
  1. في قطاع الزراعة: تم الاتفاق على التدريب على الاستخدام الامثل للمياه في مجالات الزراعة المائية والحصاد المائي، وكذلك في مجال اكثار البذار، وفي مجالات المكافحة الحيوية واستخدام المبيدات الصديقة للبيئة، وتدريب الشرطة البيئية العراقية.
  2. في قطاع الاتصالات وتكنلوجيا المعلومات:
  • الاتفاق على مرور سعات الانترنت للعراق من خلال الاردن في العام(2019)، لدعم العراق في انشاء البنية التحتية.
  • الاتفاق على نقل التجارب الاردنية في مجال التكنلوجيا المالية.

 

  • الامن

للعراق والأردن تاريخ طويل من التعاون الامني والعسكري المشترك، كانت اهم محطاته الصراع العربي-الاسرائيلي، إذ حارب العراق جنباً إلى جنب مع الأردن في حرب العام(١٩٤٨) وحرب العام(١٩٦٧) ضد اسرائيل، وخلال الحرب العراقية-الايرانية(1980-1988) اودع العراق طائراته في الأردن لحمايتها من القصف. لكن الاردن بعد العام(2003)، تعرض الى أحد أبرز مصادر التهديد والخطر الأمني من جهة حدوده الشرقية مع العراق، وذلك جرّاء تحول بعض مناطق العراق لاسيما المحاذية للأردن الى مركز إقليمي لتنظيم القاعدة الارهابي خصوصاً خلال عامي(2005 و2006) بقيادة الارهابي(ابو مصعب الزرقاوي) الذي كان يعد أحد أبرز المطلوبين لجهاز المخابرات العامة الاردنية والمخابرات الأمريكية، ولقد شكّلت تفجيرات عمان في تشرين الثاني(2005) نقطة تحول في التعاون الامني الاردني مع العراق، حيث اشتركت المخابرات الاردنية في الجهود الامنية لمكافحة الارهاب داخل الاراضي العراقية، اسفرت عن اعتقال أحد ابرز أعضاء القاعدة(زیاد الكربولي)، كما ساهمت في عملية تعقّب (الزرقاوي) ومقتله بضربة جوية امريكية في حزيران العام(2006)، ومن ناحية اخرى ساهم الاردن من خلال علاقاته مع رؤساء القبائل وشيوخ العشائر في الانبار بدعم تشكيل "الصحوات العشائرية" في نهاية العام(2007)، والتي لعبت دوراً رئيسياً في القضاء على تنظيم القاعدة وتحجيم نفوذه بشكل كبير في المدن ذات الاغلبية السُنية، كما عمل الاردن في السنوات اللاحقة على ضبط حدوده بصورة صارمة وجدية مع العراق لمنع تسلل الارهابيين، بخلاف السنوات الاولى التي شهدت سيولة أمنية منه ومن بعض الدول العربية في التعاطي مع انتقال أعداد من الإرهابيين من جنسيات عربية الى العراق للانخراط في صفوف التنظيمات الارهابية خاصةً مع بداية الاحتلال([9])

لعب الأردن دور المضيف لنشاطات التدريب الدولي لقوات الجيش والشرطة ومكافحة الارهاب العراقية، إذ أدارت المملكة على اراضيها برامج تدريبية منذ العام(2003) من خلال تأسيس أكاديمية متخصصة بالتدريب(المركز الاردني الدولي لتدريب الشرطة) خرجت الآلاف من عناصر قوات الامن بمختلف تشكيلاتها، للمساهمة في دعم جهود الحكومة العراقية في مكافحة الارهاب واستعادة الامن والاستقرار. ومن ناحية اخرى، رفض الاردن ارسال قوات عسكرية الى العراق للمشاركة في قوات التحالف الدولي خلال سنوات الاحتلال الامريكي، لكن في الوقت نفسه شاركت القوات الخاصة الاردنية في تنفيذ عدد من العمليات ضد اهداف ارهابية محددة داخل العراق الى جانب القوات الامريكية([10])، كما درّبت القوات الخاصة الاردنية دفعات من القوات الخاصة العراقية في (مركز الملك عبدالله الثاني لتدريب العمليات الخاصة)، وشارك الاردن بعد العام(2014) في تدريب دفعات من قوات الجيش العراقي وقوات مكافحة الارهاب على برامج متخصصة تضمنت تدريبات متقدمة في فنون القتال، وعمليات إزالة جميع أنواع المفخخات، وعمليات الإغاثة الطبية خلال المعارك، والتنسيق المدني-العسكري في حالات الطوارئ، والجهوزية لدعم العمليات، وذلك بدعم من حلف شمال الاطلسي في إطار الجهود الدولية لمحاربة تنظيم "داعش" الارهابي([11]). وفي العام(2018)، وقّع العراق والاردن اتفاق تعاون أمني في المجالات الأمنية والعسكرية، يتضمن تبادل الخبرات والمعلومات حول حماية الحدود ومكافحة الإرهاب، وتطوير القدرات الاستخباراتية والتمارين العسكرية المشتركة والبحث وتطوير التكنولوجيا([12]).

 

 

  • الخاتمة

مما تقدم، يتضح أن العامل الاقتصادي يلعب دوراً اساسياً في العلاقات العراقية-الاردنية، إذ أن هذا العامل بقي المحور الاساس في استقطاب سياسات البلدين نحو الحرص على الاستمرارية والتقدم، في ضوء المصالح السياسية والامنية والجوار الجغرافي، فالأردن وعلى مدى عقود كان يمثل عمقاً ومنفذاً اقتصادياً وتجارياً للعراق تزداد اهميته أكثر فأكثر مع كل حرب او أزمة يمر بها العراق. وفي الوقت الذي يشهد فيه العراق عدم استقرار الأوضاع في مدنه الجنوبية نتيجة التظاهرات الشعبية لاسيما مدن البصرة منفذ العراق البحري الوحيد الى العالم، بالإضافة الى الصراع الامريكي-الايراني وتزايد الضغوط الامريكية على العراق لتطبيق العقوبات على ايران وتقليل اعتماده الاقتصادي عليها، جاء هذا التوجه الاقتصادي ليجسد مصلحة متبادلة للبلدين الشقيقين؛ فالعراق يسعى الى ايجاد بدائل اقتصادية في حال اشتداد الضغوط الامريكية عليه لتعويض أي نقص محتمل في وارداته من السلع والطاقة، اما الاردن فإنه يسعى من خلال هذا التوجه الجديد الى تخفيف أزماته الاقتصادية المزمنة وتعويض النقص في احتياجاته من الطاقة، وتخفيف احتقان الشارع الداخلي الذي يشهد هو الآخر تظاهرات ناقمة على الحكومة، نتيجة تردي الوضع الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، تعرض أمن واستقرار المملكة الهاشمية للخطر.

إن مصالح الأردن في العراق ترتكز على أمرين اساسيين، هما: أمن المملكة وضعف اقتصادها من ناحية، والمعادلة الاقليمية المعقدة والتي يلعب فيها الاردن دور الحليف الموثوق به للولايات المتحدة في العراق والحرص في الوقت نفسه على عدم الانزلاق الى مستنقع الصراع الاقليمي والدولي على الساحة العراقية من ناحية اخرى. ولقد تفاقمت مصادر التهديد للأمن القومي الاردني نتيجة تداعيات الاحتلال الامريكي للعراق عام(2003)، والتي كان أخيرها وليس آخرها ظهور داعش عام(2014) واحتلاله ثلث مساحة العراق، الامر الذي وضع الاردن امام تهديد أمني خطير، يستدعي من الاردن تعاوناً وتنسيقاً أمنياً وثيقاً مع العراق، فالداخل الاردني معرّض للخطر لاسيما مع وجود تيارات سلفية جهادية في الاردن يزداد خطرها، مع أي نجاح تحققه التنظيمات الارهابية المتشددة في الجوار الجغرافي، وهذا ما تجسد بانخراط أكثر من (900)ارهابي من جنسية اردنية في تنظيم داعش في العراق وسوريا بحسب تقديرات رسمية اردنية.

إن المصالح الاقتصادية والامنية للبلدين الجارين الشقيقين، والحاجة المتبادلة لكل منهما للآخر في هذه المرحلة الصعبة، تدفع الى المزيد من توسيع مجالات التعاون والتنسيق الثنائي وتعميق الروابط الاقتصادية والامنية، الامر الذي يؤدي بالضرورة الى تعزيز العلاقات السياسية بينهما وتقريب الرؤى والمواقف بشأن العديد من القضايا الاقليمية والدولية التي تسببت في السنوات السابقة بفتور العلاقات الثنائية بين العراق والاردن وتوتيرها في بعض الاحيان، الامر الذي يعود بالنفع الى مصالح البلدين.

 

 

 

 

  • الهوامش: 

 


([1] ) ينظر: مصطفى علوي، المكانة الاستراتيجية للعراق القوه الشاملة للعراق في ضوء التطورات الراهنة، مجلة السياسة الدولية، العدد(135)، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة،٢٠٠٠.

([2] ) العلاقات الأردنية-العراقية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، عمان، الاردن،٢٠١٠-2011، متاح على:

http://www.expojordan.com.jo/iraq2007/COORDAINATION%20OFFICE.pps.

([3])Activities in Iraq, Japan International Cooperation Agency, Tokyo, available at: https://www.jica.go.jp/iraq/english/activities/training07.html

([4])David Schenker, “Dancing with Saddam: The Strategic Tango of Jordanian-Iraqi Relations”, The Washington Institute for Near East Policy, Washington DC, August 2003, pp.30-41.

([5])Scott Lasensky, “Jordan and Iraq Between Cooperation and Crisis”, Special Report, United State Institute of Peace, Washington DC, 2006, p.6.

([6] ) "العلاقات الأردنية-العراقية: من تجارة الحروب الى صناعة المستقبل"، صحيفة الاخبار، 26/7/2013، متاح على: https://al-akhbar.com/Opinion/54835.

([7])“Jordan Export in thousands US$ for Iraq Between 2013-2017”, World Integrated Trade Solution, World Bank, available at: https://wits.worldbank.org/CountryProfile/en/Country/JOR/StartYear/2013/EndYear/2017/TradeFlow/Export/Partner/IRQ/Indicator/XPRT-TRD-VL

([8] ) "نتائج زيارة الرزار للعراق والاتفاقيات الوقعة"، صحيفة الغد، 2/1/2019، متاح على: https://alghad.com

([9] ) محمد ابو رمان، "هل نجح الاردن في التحدي الامني العراقي"، صحيفة الغد، 25/7/2011، متاح على: https://alghad.com

([10])Scott Lasensky, “Jordan and Iraq Between Cooperation and Crisis”, Op., Cit, p.9.

([11] ) "الاردن يستضيف دورة تدريبية لضباط عراقيين حول قتال داعش"، المشارق، 19/10/2016، متاح على: http://almashareq.com/ar/articles/cnmi_am/features/2016/10/19/feature-02

([12] ) "اتفاق تعاون بين الاردن والعراق بالمجال العسكري والامني"، العربية، 5/8/2018، متاح على: https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/iraq/2018/08/05/