الامن الصحي العراقي في ظل التحولات التي يشهدها العالم

تاريخ النشر : 2019-01-09

 

وفاء الابراهيمي

قسم الدراسات الاجتماعية

 

يعد الأمن الصحي للمواطن أحد أهم مرتكزات الأمن الشامل للمجتمعات الإنسانية عامة، فمفهوم الامن الصحي يشمل حماية الصحة العامة من الاخطار والتهديدات التي تتخطى بحكم طبيعتها حدود البلدان.

يقول المدير العام لمنظمة الصحة العالمية " اتصور عالما يستطيع الانسان فيه ان ينعم بحياة تملؤها الصحة والعافية، وان يصبح قادراً على الانتاج وتحقيق النجاحات بغض النظر عن الهوية التي ينتمي اليها او الرقعة التي يعيش عليها"

من خلال هذا القول تبرز اهمية توفير الامن الصحي والانساني في ظل عالم يشهد تزايد متسارع في تفشي العديد من الامراض المستجدة والتي جعلت منها احداثا ملحة ذات اهمية دولية بالنسبة للصحة العمومية، كما بين في قوله العلاقة بين الاقتصاد السياسي والامن الصحي من خلال مجموعة من التحليلات والمنظورات التي تسعى الى فهم الشروط التي تشكل صحة السكان وتطور الخدمات الصحية داخل السياق السياسي والاقتصادي الكلي، اذ ان العلاقة بين الاقتصاد والصحة علاقة تبادلية من حيث المنفعة، فأن تحسين الصحة يساهم في النمو الاقتصادي(تحسين انتاجية العمل، تخفيض الطلب على النفقات الصحية) ويؤدي النمو الاقتصادي الى زيادة الموارد المخصصة من اجل الصحة( تحسين ظروف المعيشة وتحسين الخدمات الطبية).

يشكل الامن الصحي الشامل احدى حاجات الافراد والمجتماعات الاكثر الحاحاً وتصل الى مرتبة الضرورة، حيث ان المريض يكون في اشد حالاته حاجة للمساعدة والعناية التي تحفظ كرامته وكينونته الآدمية، ومن الاسباب التي تشكل خطراوتهديداً للأمن الصحي هو وجود ظواهر سلبية تستفحل في المجتمع وتؤدي الى انهياره من الناحية الصحية، ومن اهم هذه الظواهر السلبية هي كالاتي:

  1. عدم معالجة الامراض والاوبئة لعدة اسباب التي تصيب الكائنات الحية.
  • امراض تصيب النباتات تؤدي الى خسائر سنوية تصل الى نصف نسبة الحاصل.
  • امراض تصيب الحيوانات مثل انفلونزا الطيور، عفونة الاسماك وغيرها من الامراض التي تؤدي الى خسارة كبيرة بالثروة الحيوانية.
  • امراض تصيب الانسان فهي عديدة وقد يكون مصدرها النبات او الحيوان او الفيروسات او بسبب التلوث البيئي او تناول الاطعمة الفاسدة او ادوية منتهية الصلاحية بدون رقابة او الادمان عليها.
  1.  عدة نشاطات سلبية تحدث في المستشفيات والمختبرات منها :
  • سوء استخدام الموارد الصحية مما يؤدي الى تعطيلها او عدم كفاءتها.
  • عدم الاهتمام بالمريض وايصاله الى مرحلة اليأس من الخدمات الطبية الرسمية بقصد التوجه الى القطاع الخاص.
  1. غياب الرقابة على استيراد الاجهزة الطبية والمعدات الصحية، بما قاد الى الاستيراد من مناشئ غير عالمية على حساب صحة المواطنين مما ادى الى فقدان الثقة بين المواطنين والمؤسسات الصحية الحكومية.
  2. استيراد ادوية فاسدة
  3. وجود الكوادر الطبية والصحية غير الكفوءة والافتقار الى الدورات التطويرية.
  4. وجود الاغذية الفاسدة.
  5. عدم وجود نظام صحي ذو بعد اجتماعي لمساعدة الطبقات الفقيرة.
  6. انتشار العشوائيات والمناطق غير النظامية والتي لاتتوفر فيها شروط السكن الصحي.
  7. قصور في الخدمات العامة.
  8. ضعف اجراءات النظافة داخل المراكز الطبية والصحية.
  9. تلوث المياه بسبب مخلفات المصانع والمعامل المقامة بالقرب من ضفاف الانهار، مخلفات الصرف الصحي غير المعالجة بالشكل الصحي، التلوث بالمبيدات الزراعية والاسمدة.

مخطط يوضح الحالة الصحية الراهنة وما نهدف اليه

مما تقدم تبين لنا مشاكل الامن الصحي والتي يمكن اختزالها عن طريق العناية بالقطاع الصحي العام، حيث ينبغي وضع خطة زمنية لترميم الجهاز الصحي الحكومي وتطوير المستشفيات الحكومية والعناية بها على مستوى الخدمة العامة للمواطن، ان نجاح اي مؤسسة بالمنظور الحديث بغض النظر عن حجمها يعتمد في الاساس على مدى تطور الموارد البشرية ومدى فعاليتها في تحقيق الاهداف وبلوغ الغايات، اي بمعنى ادق مدى قدرة العنصر البشري على تطوير المؤسسة والسير بها الى النجاح، وحتى يتسنى له ذلك يجب ان يحظى الاخير بظروف عمل لائقة ورعاية تجعله يقدم افضل ما لديه من امكانيات وقدرات، إيماناً منه بأن نجاح المؤسسة هو نجاح له، لذلك فأنه على غرار توفر ظروف العمل المناسبة والمحفزة، يجب وجود رعاية تتلخص معظمها في التكفل الصحي ، وايجاد سبل وطرائق قانونية تقضي على منغصات حقيقة تعيق الكوادر الطبية والصحية من اداء عملهم بالشكل المطلوب أهمها الاعتداءات المتكررة التي قد تقضي بالموت على الكوادر الطبية واسبابها الاعتقاد الخاطئ والسائد لدى الكثير من الناس بأن حالات الموت التي قد تصيب بعض المرضى سببها اهمال الطبيب، مما أدى الى هجرة الكثير من الكفاءات والتخصصات الطبية وافراغ القطاع العام منهم حفاظاً على حياتهم.

ان نظام الاعتماد للمستشفيات والعيادات وكل المؤسسات التي تقدم الخدمة الصحية للمواطن امر جيد من اجل التزام هذه المؤسسات بالمعايير الاساسية والعالمية لتقديم الخدمة الصحية ومن اجل حرص القائمين عليها على التطوير والتحسين المستمر، ينبغي ان يتم ذلك عبر مؤسسة محايدة ونزيهة وعبر نظام عادل يضمن عدم الاختراق من الجهات الفردية والخاصة، وكذلك مدى جهازية القطاع الصحي للتعامل مع الظروف المختلفة والتي هي محل اهتمام الكثير من خبراء الانظمة الصحية العالمية، حيث تعتبر جهازية القطاع الصحي احد مؤشرات جودة النظام الصحي، ومن اهم الامور التي تضمن جهازية القطاع الصحي هي التخطيط والتجهيز للتعامل مع الظروف الطارئة المختلفة مثل( الحروب، الارهاب، تفشي الاوبئة ) سواء بتطبيق فرضيات وسيناريوهات مختلفة او استخدام نظام التدريب الذي يعتمد على المحاكاة لإعداد الموارد البشرية والمادية للتعامل مع الطوارئ ايا ما كانت، ضرورة تفعيل التعاون من خلال اللوائح المذكورة في منظمة الصحة العالمية،  فبناءً على أحكام اللوائح، يلزم على البلدان المتضرّرة أن تبلِّغ عن الأحداث غير المعتادة المتعلقة بالأمراض بسرعة وبصراحة. وعندما تفعل ذلك، يلزم على البلدان الأخرى أن تمتنع عن معاقبتها بفرض قيود غير مبرّرة على حركة السفر والتجارة. ويُمثّل الوعد بالحصول على الدعم المالي والتقني حافزاً قوياً للتبليغ المبكر، وتشير التجارب الواسعة إلى عزوف البلدان عن التبليغ بسرعة وشفافية عندما يفوق الضرر الاقتصادي المؤكد إمكانية الحصول على الدعم المالي والتقني.

ويتطلب تنفيذ اللوائح الصحية الدولية خروج البلدان من معقل السيادة الوطنية في سبيل تحقيق الصالح العام. ومثال على ذلك، أن البلدان يجب أن تكون على استعداد لإصدار تأشيرات الدخول للمشاركين في الاستجابة للطوارئ من الأجانب، والسماح لهم بإجراء التحرّيات، وإتاحة لهم الاطلاع على البيانات والسجلات. ويجب أن توافق البلدان وشركات الطيران على إرسال عيّنات المرضى إلى المراكز المتعاونة مع المنظمة التي لديها خبرات محددة في مناولة المُمْرضات الخطيرة أو غير المعتادة وتحليلها. ففي كثير من الأحيان تأخرت أو تعثرت الاستجابة للفاشيات بقيادة المنظمة، عندما مارست البلدان حقها السيادي في رفض التعاون الدولي، واعتبرته تدخلاً غير مقبول في الشؤون الوطنية.

القضية الاخرى تتعلق بالتأمين الصحي الشامل الذي ينبغي توفيره لكل المواطنين بطريقة تحترم الانسان وتصون كرامته، وكذلك ضرورة اقامة شراكات مع الجهات صاحبة المصلحة ذات الصلة، والاعتراف بأهمية الدور الذي يمكن ان يؤديه القطاع الخاص والاوساط الاكاديمية والمنظمات غير الحكومية في بناء القدرات من اجل الامن الصحي، ويقتضي تعزيز الامن الصحي بالاستثمار المستدام والطويل الاجل في مجال الموارد البشرية والبنية التحتية ووضع اجراءات تشغيلية معيارية تتكيف مع الاحتياجات والظروف المحلية.

نستنتج مما تقدم تداخل الامن الصحي وعلاقته الاكيدة مع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية للفرد والمجتمع وما يحول دون تحقيقه، لكن السؤال هو: هل لدينا متسع من الوقت للنهوض وتحقيق الامن الصحي الشامل في ظل الاضطرابات السياسية التي تلقي بتداعياتها على النظام الصحي في العراق، قبل استشراء الآفات والاوبئة واستنزاف طاقات التحمل للشريحة المجتمعية؟؟