العلاقات التركية الأمريكية مَن يحتاج لِمن ؟

تاريخ النشر : 2018-10-21

طيبة فواز

من المعلوم أن العلاقات التركية الأمريكية ذات خصوصية مُميزة، الأمر الذي فرض على تركيا حسم قرارها بشأن اطلاق سراح القس الأمريكي (أندرو برونسون) الذي اتُهم بالتجسس من قبل المحكمة التركية، وأدانته بإقامة علاقة مع حزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تُركيا (تنظيماً إرهابياً)، وتنظيم فتح الله غولن المتهم بتدبير محاولة الانقلاب العسكري الفاشل عام 2016، الذي سببَ لتُركيا أضرار منها إنخفاض الليرة التركية الذي كان مجرد تهديد صغير من قبل الولايات المتحدة لكي تُنذر تركيا بوجودها، وخصوصاً بعد تعميق تركيا علاقاتها بِروسيا وتحالفهماً معاً على حماية إدلب والمناطق السورية الأخرى، وتزويدهم بالمستلزمات العسكرية لتوفير الحماية الأمنية لهم.

هذا الأمر بالطبع استفز الولايات المتحدة؛ لأنه سيؤدي إلى تعاظم الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يتعارض مع سياسة الولايات المتحدة ومصالحها فيها، فهو سيعزز تراجع نفوذها، ويشكل خسارة استراتيجية نوعية بالنسبة لها، بملاحظة علاقاتها السيئة مع إيران وفرض العقوبات الشديدة عليها.

 في الوقت الراهن، تركيا تصرفت بناءاً على مصالحها وتحقيقاً للتوازن في علاقاتها مع الدول الإقليمية، بشكل أوضح، تركيا تخاف على موقعها الإقليمي والعالمي المهم الذي طالما اجتهدت في تطويره عبر خطط وبرامج مستقبلية مُستدامة، لذا فإن قرارها بإطلاق سراح القس الأمريكي جاء في محله وفي الوقت المناسب، بما سيشكل بداية جديدة ومهمة في إطار علاقات البلدين، إذ بدأت بتغريدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب على حسابه في تويتر تعبيراً عن سعادته وشكره للرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الجهود التي بذلها لإطلاق سراح القس الأمريكي، وأكد أنه لم يعقد اي صفقة مع تركيا لإطلاق سراح برونسون، من جانبه أكد الرئيس التركي أن إطلاق سراح القس جاء بقرار من المحكمة وحدها

 من يحتاج لمن؟

الحاجة هي اساس العلاقات الدولية بين الدول، لذلك فإن دولة مثل تركيا بحاجة إلى توفير الحماية السياسية والاقتصادية والقومية حِفاظاً على مصالحها في المنطقة، مما يجعل توطيد علاقاتها مع قوة عظمى مثل الولايات المتحدة أمر بالغ الأهمية، الولايات المتحدة التي تمتلك ملفات ضغط عديدة على تركيا منها.

  1. تحريك قضية الاكراد لتقويض استقرارها.
  2. إثارة القضية الأرمنية بتبني وجهة نظر أرمينيا فيما يخص التاريخ المضطرب بين الأرمن والأتراك.
  3. دعم الموقف اليوناني إزاء استقلالية قبرص.
  4. إحباط طموحاتها وعرقلة دخولها إلى الإتحاد الأوروبي

لذلك فإن تركيا إذا أرادت حماية أمنها القومي والسياسي والإقتصادي والجيواستراتيجي عليها أن توطد علاقتها مع الولايات المتحدة لأنها ببساطة بحاجة لها.

بالمقابل، من الصعوبة أن تُقدم الولايات المتحدة على معالجة خلافتها مع تركيا على هذا النحو الذي ذكرناه، لأنها أيضاً بِحاجة لتركيا، ولاتقتصر هذه الحاجة على الدور التركي في مشكلات الشرق الأوسط، بل تتعداها الى إدراكها لأهمية الدور التركي في مناطق أخرى وقضايا أخرى كآسيا الوسطى والقوقاز وأمن الطاقة ومكافحة الإرهاب، هذه الأهمية الإستراتيجية لتركيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة تعود إلى ثلاثة أسباب رئيسة

  1.  موقعها الجيوسياسي المتميز الواقع وسط القارات الثلاث أوروبا وآسيا وأفريقيا، الذي يربط تركيا بالعديد من المناطق التي تقع في صلب المصالح الأمريكية، فتركيا ترتبط بمناطق الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز والبحر الأسود وآسيا الوسطى بروابط اقتصادية وثقافية وتاريخية، الى جانب تحكمها في الممرات البحرية في البوسفور والدردنيل، عدا كونها معبراً لخطوط النفط والغاز من آسيا الوسطى وبحر قزوين الى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
  2. المنظور الجديد (العمق الاستراتيجي) الذي اتبعه حزب العدالة والتنمية في مايتعلق بالسياسة الخارجية التركية، إذ مكن هذا المنظور تركيا من الإنخراط في معظم القضايا المتوترة في منطقة الشرق الأوسط (في العراق وإيران ولبنان والقضية الفلسطينية).
  3. تنظر الولايات المتحدة إلى تركيا بإعتبارها الدولة الإسلامية "النموذج" فهي دولة ديمقراطية حديثة حققت قدراً كبيراً من التنمية الاقتصادية وتمثل من وجهة النظر الغربية تعايشاً بين الإسلام وقيم الحضارة العربية، وبهذا الصدد يمكننا القول أن من الصعب على تركيا والولايات المتحدة مُعاداة بعضهما البعض لأن كلاهما يملك مصالح مع الاخر، تأتي مصلحة تركيا في الحفاظ على أمنها ومستقبلها الجيوستراتيجي المهم، ومصلحة الولايات المتحدة تتمثل في سعيها لحماية قوتها وتمركزها على قمة النظام الدولي.