ترامب ورهان العقوبات الاقتصادية على ايران

تاريخ النشر : 2018-08-19

د. احمد يوسف كيطان/ قسم الدراسات الاقتصادية

شكّلت سياسة العقوبات الاقتصادية الركن الاساس في سياسة الادارات الامريكية المتعاقبة تجاه ايران منذ قيام الثورة الاسلامية فيها عام(1979)، ولا زالت مستمرة على مدى اكثر من ثلاث عقود، حرصت الولايات المتحدة فيها على ان تكون تلك العقوبات دولية ومتعددة الاطراف. وبعد وصول دونالد ترامب للسلطة على رأس الادارة الامريكية الجديدة في كانون الثاني من العام(2017)، أعلن في الثامن من آيار (2018) قراره الخطير القاضي بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع ايران والذي يعُرف بخطة العمل الشاملة المشتركة(JCPOA)، تلك الاتفاقية المتعددة الأطراف التي تم توقيعها في الرابع عشر من تموز من العام(2015)، بين إيران وما يُعرف بمجموعة (5+1) التي تضم كلاً من: (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، المملكة المتحدة، ألمانيا). ويستلزم تنفيذ قرار الانسحاب قيام مكتب مراقبة الأصول الأجنبية(OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية بتعديل قواعده، لكي يتمكن من اعادة فرض بعض العقوبات بشكل رسمي. حيث قدم المكتب تراخيص عامة قصيرة الأجل للسماح لقطاع الصناعة بتقليل الأنشطة التي سيتم حظرها من جديد. وبناءً على ذلك اصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية(OFAC) في 27 حزيران الماضي قراره المرقم(83 FR 30335) القاضي بتعديل (لائحة العقوبات وعدم تسوية المعاملات عبر الولايات المتحدة- ITSR) وذلك من اجل إلغاء اجراءات تخفيف العقوبات الامريكية التي تم فرضها قبل التوصل للاتفاق النووي مع ايران(JCPOA)، وفرض حزمتين من العقوبات الاولى/ بعد (90)يوماً من تاريخ اعلان الانسحاب اي في السادس من آب العام(2018)، والحزمة الثانية/ بعد(180)يوماً اي في الرابع من تشرين الثاني من العام نفسه.

 

  • الاقتصاد الايراني: حقائق وارقام

كان الاقتصاد الايراني قد بدأ بالتعافي منذ العام(2016) بعد ابرام الاتفاق النووي مع الغرب(JCPOA)، حيث رفعت الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي حِزَم العقوبات التي تم فرضها على ايران طيلة سنوات أزمة البرنامج النووي الايراني، وتلقى الاقتصاد الإيراني دفعة قوية منذ شباط العام(2016) عندما بدأت إيران بشحن النفط إلى أوروبا للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، وصدرت نحو (4)ملايين برميل إلى كل من فرنسا وإسبانيا وروسيا، ليصبح ثاني اكبر اقتصاد في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا. ففي أعقاب نسبة انكماش بلغت في العام(2015) نحو(1.6%)، انتعش الاقتصاد الايراني بصورة سريعة منذ العام(2016)، ونما بمعدل نمو سنوي نسبته(12.5%)، إذ تشير البيانات الاولية للفترة من (نيسان-ايلول) للعام(2017) الى تسجيل معدل نمو سنوي لإجمالي الناتج المحلي الحقيقي نسبته(4.5%) بتكلفة عوامل الانتاج، وهي نسبة تزيد عن معدل النمو السكاني السنوي لإيران البالغ(2.4%)، بعدد سكان يتجاوز(80)مليون نسمة، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لإيران نحو(439.5) مليار دولار في العام نفسه ليحتل المرتبة الثامنة عشر على العالم، إذ يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني(21) ألف دولار، اي بمستوى معيشة أعلى من العراق وبلغاريا والمكسيك واندونيسيا والبرازيل والصين وأقل من تركيا والسعودية وروسيا وماليزيا([1]). كما انخفض معدل البطالة في العام(2017) الى(11.9%) مقارنة بالعام(2016) حيث كان(12.3%)، على الرغم من ان هذه التحسن يعد طفيفاً إلّا ان معدل البطالة لا يزال مرتفعاً. ويتلازم ذلك مع تحسن في معدل مشاركة الايدي العاملة من(38.9%) الى(41%) مدعوماً ذلك بتحسن تدريجي في انتاج القطاعات غير النفطية، وتشير معدلات البطالة بين الذكور(10.1%) وبين الاناث(19.1%) الى وجود فجوة كبيرة ومستمرة بين الجنسين في سوق العمل([2]).

ويتميز الاقتصاد الايراني بقطاعات الطاقة والزراعة والخدمات، وحضور مهم للدولة في كل من قطاع الصناعات التحويلية وقطاع الخدمات المالية، حيث تسيطر الدولة على نحو(60%) من مؤسسات الاقتصاد، وتحتل إيران المرتبة الثانية في العالم من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي بعد روسيا والثالثة في انتاجه عالمياً، كما تحتل المرتبة الرابعة من حيث احتياطيات النفط الخام المثبتة بعد كل من(الولايات المتحدة والسعودية وروسيا وكندا) والخامسة في انتاجه عالمياً، حيث بلغ معدل انتاجها اليومي نحو(4.67)مليون برميل يومياً في العام(2017)([3])، ولا يزال النشاط الاقتصادي وإيرادات الحكومة الايرانية يعتمدان بصورة كبيرة على صادرات الطاقة، ولذلك يبقى الاثنان عرضة للتقلبات مع تقلب اسعار الطاقة في الاسواق العالمية لاسيما النفط. ويشكل النفط نسبة(80%)من صادرات إيران، تقوم بتصديره الى كل من: الصين والهند وكوريا الجنوبية وتركيا واليابان، حيث تعد هذه الدول بمثابة أسواق التصدير الرئيسية لإيران.

وبعد اندلاع الاحتجاجات في عدد من المدن الايرانية في أواخر كانون الأول العام(2017) ومطلع كانون الثاني العام(2018)، تعرض سعر صرف الريال الايراني الى انخفاض كبير وازدادت تقلباته، وأخذت الفجوة تتسع في الوقت نفسه بين سعر الصرف الرسمي في السوقين الرسمية والحرة، ففي مطلع آذار العام(2018)، انخفضت قيمة الريال الإيراني بنسبة (15%) امام الدولار الأمريكي مقارنة بما كانت عليه في نهاية العام(2017).

 

  • العقوبات التي أُعيد فرضها على ايران في 6 آب 2018

بعد انتهاء فترة الـ(90) يوماً اي في السادس من آب (2018)، اعلنت ادارة ترامب اعادة فرض العقوبات التي تم رفعها سابقاً بموجب الاتفاق النووي (JCPOA)، بما في ذلك العقوبات المفروضة على الخدمات المرتبطة بالأنشطة التالية([4]):

  1. العقوبات المفروضة على بيع وشراء الأوراق النقدية بالدولار الأمريكي من قبل إيران.
  2. العقوبات على تجارة إيران بالذهب والمعادن الثمينة.
  3. العقوبات المفروضة على البيع المباشر أو غير المباشر أو التوريد أو النقل إلى أو من إيران من معادن الجرافيت أو المواد الخام أو المنتجات نصف النهائية كالألومنيوم والصلب والفحم والبرمجيات المستخدمة في العمليات الصناعية.
  4. العقوبات على المعاملات الهامة المتعلقة بشراء أو بيع الريال الإيراني، أو الاحتفاظ بأموال أو حسابات كبيرة خارج أراضي إيران بالريال الإيراني.
  5. فرض عقوبات على شراء أو إصدار أو تسهيل إصدار الديون السيادية الإيرانية.
  6. العقوبات على قطاع السيارات في إيران.

إضافةً إلى ذلك، الغت ادارة ترامب التراخيص المرتبطة بالاتفاق النووي(JCPOA)، بموجب هذه العقوبات والمتعلقة بالآتي([5]):

  • استيراد الولايات المتحدة للسجاد الإيراني والمواد الغذائية وبعض المعاملات المالية ذات الصلة بموجب تراخيص عامة بموجب (لائحة العقوبات وعدم تسوية المعاملات عبر الولايات المتحدة- ITSR)، والمرقمة بـ  31CFR. Part 560(ITSR) .
  • الأنشطة المضطلع بها بموجب تراخيص محددة صادرة فيما يتعلق ببيان سياسة الترخيص للأنشطة المتصلة بتصدير أو إعادة تصدير طائرات الركاب التجارية والأجزاء والخدمات ذات الصلة إلى إيران (JCPOA SLP).
  • الأنشطة المضطلع بها عملاً بالرخصة العامة الأولى المتعلقة بالعقود الطارئة للأنشطة المؤهلة للحصول على إذن بموجب القرار المشترك الخاص باللجنة المشتركة (JCPOA SLP).

 

  • تداعيات العقوبات الامريكية على ايران

بعد اعلان الولايات المتحدة عن دخول الحزمة الاولى من العقوبات حيز التنفيذ في الرابع من آب العام(2018)، بدأت تداعيات فرض هذه العقوبات تظهر بصورة واضحة في تراجع مؤشرات الاقتصاد الايراني، وتمثلت هذه التداعيات بالآتي:

  • انهيار قيمة العملة الوطنية الايرانية امام الدولار الامريكي، حيث فقد الريال الايراني نحو(80%) من قيمته امام الدولار، وانخفض الى مستويات قياسية وصلت الى نحو(47.8)الف في منتصف آب (2018) مقارنة بـ(26.5)الف ريال نهاية العام(2015).
  • اعلان كبرى الشركات العالمية انسحابها من ايران خوفاً من وقوعها تحت طائلة العقوبات الامريكية وفقدان السوق الامريكية، وذلك بالرغم من اقرار الاتحاد الاوروبي(قانون حماية الشركات الاوروبية)، كونها تعتمد على النظام المصرفي الدولي والاسواق المالية الدولية والتي تهيمن عليها الولايات المتحدة، إذ أن اغلب هذه الشركات كشركة بوينغ الأمريكية لصناعة الطائرات وشركة إيرباص الأوروبية والتي خسرت عقوداً مع ايران بقيمة(39) مليار دولار، وكذلك شركة توتال الفرنسية وجنرال موتورز الامريكية ورويال داتش الهولندية-البريطانية وغيرها، قررت الانسحاب من ايران.
  • تشير بعض التقديرات إلى أن صادرات إيران من النفط، والتي قدرت قيمتها في العام(2016) بنحو(36) مليار دولار قد تنخفض إلى الثلثين في العام(2018) مع إعادة فرض العقوبات، وقد يمتد هذا إلى أبعد من إيران حيث تتأقلم أسواق النفط العالمية مع ضغوط التوريد، فعلى سبيل المثال: بلغت القيمة الإجمالية لتجارة الاتحاد الأوروبي مع إيران في العام (2017) نحو(23)مليار دولار، تشكل صفقات الطاقة نحو ثلاثة أرباع قيمتها.

 

  • مستقبل العقوبات الامريكية وخيارات ايران المتاحة

على الرغم من معارضة حلفاء الولايات المتحدة للعقوبات، واعلان كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي عزمها على حماية الشركات الاقتصادية الأوروبية التي تعمل في مجال الأعمال المشروعة مع إيران، بالإضافة الى رفض روسيا والصين وتركيا والهند وباكستان لها، فإنها بإعادة فرضها للعقوبات؛ ترغم الولايات المتحدة حلفاؤها فعلياً على الالتزام بها عن طريق الضغط على الشركات الأوروبية الكبرى للاختيار بين السوق الإيرانية الصغيرة والسوق الأمريكية الضخمة. فإدارة الرئيس ترامب تراهن على سلاح العقوبات الاقتصادية في اجبار إيران على وقف انشطتها في مجال التخصيب النووي، والحد من طموحاتها النووية، وإنهاء دعمها للأنظمة والجماعات المعادية للولايات المتحدة وتقليص نفوذها في المنطقة العربية، وهذا ما يجعل من احتمالات حل الأزمة بصورة دبلوماسية بعيدة المنال، لاسيما مع رفض القيادة الايرانية الانصياع للشروط الامريكية التي تصر الولايات المتحدة على جعلها اساساً لأي علاقات مستقبلية مع ايران، على الرغم من تأكيد الرئيس ترامب إنه على استعداد للقاء الرئيس روحاني دون شروط مسبقة، الامر الذي يعقد من الازمة ويدفعها الى اتجاهات غير مرغوبة، وهذا ما حذر منه المساعد الخاص السابق للرئيس اوباما ومنسق شؤون الشرق الاوسط(فيليب غوردون) بالقول: "ان الولايات المتحدة يمكن أن تواجه معضلة؛ فالاتفاق النووي(JCPOA) تم تصميمه لتجنب السماح لبرنامج ايران النووي بمواصلة التوسع في غياب الرقابة الدولية، وبخلافه ليس هنالك خيار إلّا استخدام القوة العسكرية لوقفه".

ومن ناحية اخرى، فإن ايران لديها مجموعة خيارات لمواجهة العقوبات الامريكية التي خبرتها على مدى اكثر من ثلاثة عقود ونصف، تمكنت خلالها من تحقيق تقدم علمي وتكنلوجي محترم وتطور اقتصادي جعلها في المرتبة الثانية كأكبر اقتصاديات المنطقة، كما تمكنت من توسيع نفوذها الاقليمي بشكل كبير، وعلى الرغم من محدودية هذه الخيارات وتوعد ترامب بأن هذه العقوبات ستكون "الاشد في التاريخ" فإن ايران تراهن بشكل كبير على شراكاتها التجارية الثنائية مع عدد من القوى الكبرى والاقليمية في العالم، مستغلةً "الحروب التجارية" المستعرة بينها وبين الولايات المتحدة، فشراكتها المهمة مع الاتحاد الأوروبي الذي تمثل بالنسبة له سوقاً كبيرة للصادرات الاوروبية، وكذلك شراكتها مع الصين التي اكدت تمسكها بعلاقاتها الاقتصادية المتميزة مع ايران لاسيما في مجال الطاقة والطاقة والاستثمارات، اما روسيا فقد اعلنت رفضها للعقوبات واكدت تمسكها بالاتفاق النووي وقرارات مجلس الامن ذات الصلة، وكذلك الحال بالنسبة لتركيا والهند وباكستان. فضلاً عن ذلك، تستطيع ايران الالتفاف على العقوبات مستغلة حلفاؤها الاقليميين، كما تمتلك أوراق ضغط أخرى وخيارات عسكرية قد تساعدها في تقليص حدة الضغوط الامريكية، وتوسيع حرية الحركة وهامش المناورة المتاحة أمامها في مواجهة العقوبات الامريكية والتقليل من تأثيراتها.

 

للاطلاع على الدراسة بصيغة pdf اضغط هنا

 

  • المصــــادر:
 

([1]) See: “GDP current US $”, The World Bank, 2018, available at: https://data.worldbank.org/indicator/NY.GDP.MKTP.CD , And “GNI per capita, PPP (current international $)”, The World Bank, 2018, available at: https://data.worldbank.org/indicator/NY.GNP.PCAP.PP.CD

([2]) “Islamic Republic of Iran: Overview”, The World Bank, 2018, available at: http://www.worldbank.org/en/country/iran/overview

([3]) “What countries are the top producers and consumers of oil?”, US Energy Information Administration (EIA), Washington DC, April 9, 2018, available at: https://www.eia.gov/tools/faqs/faq.php?id=709&t=6

)[4]( Frequently Asked Questions Regarding the Re-Imposition of Sanctions Pursuant to the May 8, 2018 National Security Presidential Memorandum Relating to the Joint Comprehensive Plan of Action (“JCPOA Wind-down FAQ”), DEP’T OF TREASURY, at FAQ 1.2 (May 8, 2018), https://www.treasury.gov/resource-center/sanctions/Programs/Documents/jcpoa_winddown_faqs.pdf

)[5]( I bid.