التصعيد في العلاقات السعودية الكندية

تاريخ النشر : 2018-08-15

بدأت أولى جولات الخلاف بين كندا والمملكة العربية السعودية في الثاني من أغسطس (آب)؛ بعدما كتبت وزيرة الخارجية الكندية على حسابها على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" إنها (منزعجة جدًا) منذ أن سمعت باحتجاز سمر بدوي. تلى هذه التغريدة في اليوم التالي صدور بيان رسمي صادر عن الخارجية الكندية يُطالب السلطات السعودية (بالإطلاق الفوري لسراح) النشطاء المحتجزين، وكانت السلطات السعودية قد اعتقلت سمر بدوي (33 عامًا) وهي ناشطة حقوقية سعودية، تحمل الجنسية الأمريكية، وتنشط أدوارها في المطالبة بحقوق المرأة السياسية، وفتح المجال السياسي للحقوق والحريات، وقد طالبت بإنهاء نظام وصاية الرجل على المرأة، كما أنها شقيقة السجين والمدوِّن المعارض، رائف بدوي، صاحب «الشبكة الليبرالية الحرة» الذي سُجن بتهمة الإساءة للإسلام.، وعلى اثر ذلك استدعت السعودية سفيرها في كندا كما طلبت من السفير الكندي لديها مغادرة البلاد خلال 24 ساعة، معلنة رفضها التدخل في شؤونها. وقررت السعودية تجميد كافة التعاملات التجارية والاستثمارية الجديدة بين المملكة وكندا مع احتفاظها بحقها في اتخاذ إجراءات أخرى.

وقال بيان صادر عن وزارة الخارجية السعودية ونشرته وكالة الانباء الرسمية "واس" إن وزارة الخارجية في المملكة العربية السعودية اطلعت على ما صدر عن وزيرة الخارجية الكندية والسفارة الكندية في المملكة بشأن ما أسمته نشطاء المجتمع المدني الذين تم إيقافهم في المملكة وأنها تحث السلطات في المملكة للإفراج عنهم فوراً. واعلنت الوزارة أن هذا الموقف السلبي والمستغرب من كندا يُعد ادعاءً غير صحيح جملة وتفصيلاً ومجاف للحقيقة، وأنه لم يبن على أي معلومات أو وقائع صحيحة وأن إيقاف المذكورين تم من قبل الجهة المختصة وهي النيابة العامة لاتهامهم بارتكاب جرائم توجب الإيقاف وفقاً للإجراءات النظامية المتبعة التي كفلت لهم حقوقهم المعتبرة شرعاً ونظاماً ووفرت لهم جميع الضمانات خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة.

كما أكدت وزارة الخارجية السعودية أن الموقف الكندي يُعد تدخلاً صريحاً وسافراً في الشؤون الداخلية للمملكة العربية السعودية ومخالفاً لأبسط الأعراف الدولية وجميع المواثيق التي تحكم العلاقات بين الدول، ويعد تجاوزاً كبيراً وغير مقبول على أنظمة المملكة وإجراءاتها المتبعة وتجاوزاً على السلطة القضائية في المملكة وإخلالاً بمبدأ السيادة، فالمملكة العربية السعودية عبر تاريخها الطويل لم ولن تقبل التدخل في شؤونها الداخلية أو فرض إملاءات عليها من أي دولة كانت، وتعتبر الموقف الكندي هجوماً على المملكة العربية السعودية يستوجب اتخاذ موقف حازم تجاهه يردع كل من يحاول المساس بسيادة المملكة العربية السعودية..... ومن المؤسف جداً أن يرد في البيان عبارة (الإفراج فوراً) وهو أمر مستهجن وغير مقبول في العلاقات بين الدول، وأن المملكة العربية السعودية وهي تعبر عن رفضها المطلق والقاطع لموقف الحكومة الكندية، فإنها تؤكد حرصها على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول بما فيها كندا وترفض رفضاً قاطعاً تدخل الدول الأخرى في شؤونها الداخلية وعلاقاتها بأبنائها المواطنين، وأن أي محاولة أخرى في هذا الجانب من كندا تعني أنه مسموح لنا بالتدخل في الشؤون الداخلية الكندية".

 

الاجراءات السعودية

على اثر تصريح وزارة الخارجية الكندية صعدت الرياض من اجراءاتها تدريجيا إذ لم يقف الرد السعودي عند حاجز استدعاء سفيرها لدى أوتاوا، وتوصيف السفير الكندي لديها بأنه (شخص غير مرغوب فيه)، معتبرة أن ما حدث تدخلًا صريحًا وسافرًا في الشؤون الداخلية للبلاد، يقاف برامج التدريب والابتعاث الدراسي إلى كندا، والذي كان يمكن الطلاب السعوديين من الدراسة هناك، ونقل الطلاب السعوديين الموجودين في كندا للدراسة إلى دول أخرى، بعد وقف المنح، ويُقدر عدد طُلاب السعودية الذين يدرسون في كندا  بأكثر من 8200 طالب، تبلغ نسبة النساء بينهم نحو 33%. ويرافق هؤلاء الطلاب أكثر من 6400 شخص من أفراد عائلاتهم.

وتميل الكفة في مسألة الخسائر إلى ارتفاع خسائر السعودية إذا ما قورنت بكندا؛ إذ لا تتجاوز استثمارات كندا في المملكة سوى 0,06% من حجم الاستثمارات الأجنبية فى السعودية، بينما تُعد المملكة ثاني أكبر مستورد للبضائع الكندية في العالم العربي بعد الإمارات؛ إذ بلغ حجم المواد التي استوردتها المملكة من كندا في عام 2017 نحو أكثر من مليار دولار. وقُدر حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال 10 سنوات بنحو 36 مليار دولار؛ بلغت خلالها الصادرات الكندية للمملكة نحو 16 مليار دولار، بينما وصلت قيمة الصادرات السعودية إلى كندا خلال الفترة الزمنية نفسها نحو 20 مليار دولار.على جانب آخر لا تُمثل المملكة رقمًا مهمًا في حجم التعاملات التجارية لكندا؛ إذ تمثل واردات السعودية من كندا نحو 0,2% من حجم إجمالى وارداتها، كما تمثل الصادرات السعودية 0,5%  من حجم صادرات كندا.

يرفع من حجم خسائر السعودية مُقارنة بكندا عدم اقتراب البيان الصادر عن المملكة من تجميد أية صفقات عسكرية ثنائية بين البلدين، واقتصاره على العلاقات التجارية والاستثمارية التي لا تُشكل رقمًا مؤثرًا في تعاملات كندا التجارية. وتُعد السعودية أكبر سوق للصادرات الكندية في الشرق الأوسط من الأسلحة والمُعدات العسكرية. ولم تتحدث المملكة أو أي مسئول سعودي عن تجميد الصفقة التي وقعتها السعودية في عام 2014 مع شركة جنرال «دينامكيس» الكندية المختصة في صناعة السلاح، والتي كانت قد فازت بعقد قيمته 15 مليار دولار قبل أربعة أعوام بتصنيع مركبة مدرعة خفيفة للسعودية، وعدد من المعدات العسكرية، وهي الصفقة التي وصفتها كندا آنذاك بـ«أكبر عقد تصنيع في تاريخ البلاد»؛ إذ أتاحت 4 آلاف فرصة عمل لسكانها. وتضمن التعاقد آنذاك كذلك خدمة وصيانة المدرعات لمدة 15 عامًا عبر إقامة أكثر من 10 ورش صيانة داخل السعودية.

من جانب اخر قادت المملكة العربية السعودية أشبه بالحملة الضارية التي سخرت فيها الرياض كل أسلحتها الإعلامية والدبلوماسية، حيث تبنت بعض العواصم العربية والإسلامية موقف الرياض من أوتاوا على رأسها الإمارات والبحرين والسودان والسلطة الفلسطينية ورابطة العالم الإسلامي، هذا الى جانب الرسائل الضمنية التي بعثت بها المملكة عبر أذرعها الإعلامية على السوشيال ميديا ما أثار ضجة بين رواد تلك المواقع، ففي تعليق وصفه البعض بـ(السقطة) أحدث تصميم نشره حساب إنفوغرافيك السعودية تعليقًا على الأزمة حالة من الجدل، حيث وجهت اتهامات للرياض بتهديد كندا بما يشبه هجمات 11 من سبتمبر/أيلول ضد برجي التجارة في نيويورك عام 2001.

هل هناك دول تقاطع السعودية؟

سبقت كندا في قائمة الدول التي دخلت في توتر دبلوماسي مع المملكة أكثر من دولة أوروبية، على رأسها ألمانيا عقب تصريحات لوزير خارجيتها، زيغمار جابرييل، بشأن دور السعودية في الأزمة اللبنانية، بدا في هذا التصريح إعادة الرفض الألماني لسياسة محمد بن سلمان بلغة انتقاد أعنف؛ إذ قال: (إن هناك إشارة مشتركة من جانب أوروبا بأن روح المغامرة التي تتسع هناك منذ عدة أشهر، لن تكون مقبولة، ولن نسكت عنها)، وأكمل: (بعد الأزمة الإنسانية والحرب في اليمن، وبعد ما حدث من صراع مع دولة قطر، صارت هناك منهجية للتعامل مع الأشياء، وصلت ذروتها الآن في التعامل مع لبنان)، وواجهت السعودية الانتقاد الشديد من جانب ألمانيا بسحب سفيرها من ألمانيا، وتسليم سفير ألمانيا لديها «مذكرة احتجاج» على هذه التصريحات «المشينة وغير المبررة» كما وصفتها. لم تقف ألمانيا مكتوفة الأيدي؛ بل أصدرت بداية العام الحالي قرارًا بوقف صادرات الأسلحة إلى السعودية.

وسبقت هذه المواجهة مع ألمانيا، تصعيد من جانب المملكة تجاه بلجيكا على خلفية تصعيد سعودي في ضوء انتقادات من جانب بلجيكا لأوضاع حقوق الإنسان؛ أدت بدورها إلى إصدار المحكمة العليا في بلجيكا أوائل شهر يوليو (تموز) 2018 قرارًا بمنع تصدير الأسلحة إلى السعودية بسبب أوضاع حقوق الإنسان في السعودية، وشمل قرار المحكمة رخص تصدير أسلحة بلجيكية بقيمة تزيد على 150 مليون يورو إلى السعودية.

وتنضم إلى الدول السابقة كُل من النرويج التي تحظر بيع الأسلحة والذخائر للسعودية، فضلًا عن السويد التي ألغت عقود تسليح مع السعودية عام 2015 بسبب أوضاع حقوق الإنسان في السعودية، وعزز هذا الحظر الأوروبي موافقة البرلمان الأوروبي أواخر العام الماضي على قرار بحظر تصدير الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تصدير الأسلحة إلى السعودية؛ بسبب «تدخلها في اليمن، والذي تسبب في سقوط آلاف المدنيين في العمليات العسكرية التي تشنها في اليمن منذ عام 2015».