ابواب غزة

التصنيف: مقالات

تاريخ النشر: 2024-06-11 00:54:59

ترجمة 

أ.د باقر جواد كاظم

قسم الدراسات الأمنية ومكافحة الإرهاب  

يتعين على الكيان الصهيوني  أن يَتخلى عن الفكرة الفاشلة القائلة بأن السحر التكنولوجي سيضمن أمنه القومي

 

مشهد المواجهة الحالية في الشرق الأوسط، يؤكد أن الجيوش المعتمدة على التكنولوجيا الأكثر تطوراً، ليست مهيئة لخوض ساحة المعركة المعاصرة، مختصراً الصورة بأنها بين نظريتين، استوحى اسميهما من فيلم "حرب النجوم" للإشارة إلى التطور التكنولوجي التي تمثلها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني  مثلاً، وفيلم "ماد ماكس" للإشارة إلى محدودية القدرات العسكرية التي تمثلها إيران والقوى الحليفة لها.

 

في 7 تشرين الأول، عندما قامت الطائرات الشراعية التابعة لحماس بالتحليق فوق "السياج الذكي" للكيان الصهيوني الذي يبلغ طوله 40 ميلاً، والمزود بأحدث أنظمة الرادار، والمدافع الرشاشة التي تعمل بالتحكم عن بعد، وأجهزة الإستشعار الموجودة تحت الأرض، لم تواجه على الجانب الآخر أي شكل من أشكال المقاومة العسكرية ذات المغزى لمن كان يُعتبر في كثير من الأحيان رابع أقوى قوة عسكرية على الأرض! وبدلاً من الترحيب بهم بالدبابات والمروحيات والألوية المدججة بالسلاح، وجد مقاتلوا حماس أنفسهم بين المحتفلين الشباب في مهرجان نوفا الموسيقي، والذين تم أخذهم أسرى في نهاية المطاف.

 

في أعقاب هذا الهجوم، تفاجأ الكيان الصهيوني وغيرهم حول العالم بعدم وجود أي رد عسكري منظم، والذي إستمر لعدة ساعات! ومع إنتشار الأخبار عن قيام قوات حماس المُسلحة بأسلحة خفيفة بإختراق المناطق الحدودية المباشرة إلى المراكز السكانية للكيان الصهيوني الرئيسية مثل عسقلان، تساءل الجميع: ماذا حدث لجيش الدفاع الصهيوني!؟

الجواب هو أن الجيش الصهيوني، على مدى العقدين الماضيين، أعاد تشكيل نفسه عمداً من خلال تجريد أنواع أصول القوة التقليدية (التشكيلات القتالية الكبيرة، والقوة النارية الساحقة، والدروع الثقيلة) القادرة على صد أي هجوم محتمل واسع النطاق عبر الحدود، وإستبدلته بجيشٍ جديد، إستنادا إلى نظريات جديدة في الحرب(القائمة على إستخدام التقنيات التكنولوجية الحديثة المتطورة في الجيش على نطاقٍ واسع/ المترجم)، والتي تم تداولها في أعقاب احداث 11 أيلول في الولايات المتحدة.

إذ بدلاً من عقائدها وبُنية قوتها السابقة، تبنى الكيان الصهيوني  نهجاً عسكرياً أكثر حداثةً يُفضل قوة "صغيرة وذكية" تعتمد على القوة الجوية الدقيقة، والقوات الخاصة، والإستخبارات التي تركز على التكنولوجيا المتطورة. ونتيجةً لذلك، وبدون إستثناء تقريباً، لم يفشل قادة الكيان الصهيوني  في توقع أحداث يوم 7 تشرين الأول فحسب، بل وأيضاً عدم فهم نوع الحرب التي يخوضونها اليوم: سيما وأن حروب اليوم ليست ضربات جراحية سريعة تدوم عدة أيام على الأكثر، ولكنها صراع متعدد الجبهات يتطلب معارك مستمرة، والإستيلاء على مواقع الأراضي المتنازع عليها والإحتفاظ بها على مدار أشهر وربما سنوات.

منذ سبعة أشهر، تقاتل قوات الدفاع الصهيوني في وقت واحد على سبع جبهات (غزة، الضفة الغربية، لبنان، سوريا، العراق، إيران، واليمن). وفي غزة، نشروا تشكيلات ميكانيكية كبيرة في المناطق الحضرية. وفيما يتعلق بالصراع مع حزب الله في لبنان، فقد إستعدوا للقيام بالمثل إذا إقتضت الظروف ذلك.

لم يخطط أحد لهذا النوع من الحرب، ونتيجة لهذا الإفتقار إلى الرؤية والتخطيط المستقبلي، لا يمتلك الكيان الصهيوني  هيكل القوة المناسب، أو القاعدة الصناعية التكنولوجية الدفاعية، أو التحالفات لضمان النصر على المدى الطويل

بالنسبة للكيان الصهيوني فإن أنظمة الأسلحة، وهياكل القوة، والتحالفات القائمة لا يمكن إعادة تشكيلها في يوم واحد. وفي هذا الصدد، فإن النموذج العسكري يشبه شبكة من خطوط السكك الحديدية مع مجموعة محدودة من المفاتيح. تساعد المسارات الجيش الصهيوني على المضي قُدماً، لكنها تقيده أيضاً، وترسله إلى خطوط محددة مسبقًا بغض النظر عما إذا كانت تلك الخطوط تؤدي إلى الوجهة المرغوبة أكثر من الناحية الإستراتيجية.

إن تبني مسارات جديدة لن تكلف الكيان الصهيوني  وقتاً يقاس بالسنوات؛ وأموالاً تقدر بالمليارات فحسب،  ولكن أيضًا حياة تقاس بالآلاف

بعض العيوب في نموذج جيش الكيان الصهيوني  "الصغير والذكي" لم تأتي مُزينةً بختم "صنع في الكيان الصهيوني " فحسب، بل تم إستيراد الكثير منها من الغرب، خاصة من كليات الحرب الأمريكية إذ أرسل الكيان الصهيوني منذ فترة طويلة ضباطه المحترفين للتدريب،  كما إستعاروا الكثير من الإجراءات من الأميركيين وغيرهم من أعضاء منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذين أيدوا، طيلة عقدين من الزمن قبل حرب أوكرانيا، الاعتقاد بأن الحروب الواسعة النطاق والمطولة بين الدول أصبحت شيئاً من الماضي.

من الواضح أن "الحرب على الإرهاب"، بتركيزها على الجهات الفاعلة دون الدولة، أثرت على هذا التفكير

 

الكيان الصهيوني شكل جيشاً وفقاً لنموذج "حرب النجوم"، والذي يفترض أن القوى التي تتمتع بالمزايا التكنولوجية من شأنها ردع الجهات المحرومة تكنولوجياً، وأن التفوق التكنولوجي وحده قادر على كسب الحروب، لذا  قام ببناء جيش صغير وذكي لكنه يعتمد بشكل مفرط على القوة الجوية الدقيقة، والقوات الخاصة، والاستخبارات التي تركز على التكنولوجيا، على افتراض أن الحروب الطويلة والكبيرة أصبحت شيئاً من الماضي.

 

تقول إستراتيجية الأمن القومي الأميركية، التي نشرتها إدارة أوباما في أيار 2010: "إننا نعمل على بناء شراكات أعمق وأكثر فعالية مع مراكز النفوذ الرئيسية الأخرى، بما في ذلك الصين والهند وروسيا"، و "نرى شراكة إستراتيجية حقيقية بين حلف شمال الأطلسي وروسيا، وسنتصرف وفقاً لذلك، مع توقع المعاملة بالمثل من روسيا"، وظلت هذه الوثيقة هي البيان الرسمي لإستراتيجية الناتو حتى عام 2022، عندما بدأ الحلف في تصوير الصين وروسيا وإيران على أنها أكثر تهديدًا.

 

طالما كانت "الشراكة" هي الشعار عند تم وَصف علاقات الغرب مع الصين وروسيا وإيران، إذ بدا من الواضح أن حجم الحرب سوف يتقلص، في هذا الصدد ذكرت وثيقة إستراتيجية بريطانية رسمية عام 2010 أن "الصراع بين الدول لن يختفي، لكن طابعه بدأ يتغير بالفعل". وأضافت أن "التكتيكات غير المتماثلة مثل الإجراءات الاقتصادية والسيبرانية والحرب بالوكالة بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة سوف تلعب دوراً متزايداً". إذ يسعى الخصوم من الدول وغير الدول إلى التفوق على أولئك الذين يتفوقون عليهم في القدرة العسكرية التقليدية.

بعبارة أخرى، فإن الحرب كما نتصورها عادة - أي عندما يواجه جيشان كبيران بعضهما البعض لمدة أشهر أو سنوات في ساحة المعركة، كما نرى في غزة وأوكرانيا اليوم - قد إختفت تقريبًا. وقد حلت محلها سلسلة من المعارك الجارية القصيرة والخاطفة.

لاحظ التفسير السببي في الإقتباس أعلاه. (حروب كبيرة لن تحدث)، هكذا كان التفكير، بسبب التفوق التكنولوجي للدول الغربية، ويستند التقييم  أعلاه إلى إفتراضين رئيسيين، هما:

  • المزايا التكنولوجية لدولة معينة، سوف تردع الدول الأخرى عن التفكير بمهاجمتها؛
  • التفوق التكنولوجي في حد ذاته يمكن أن يكون العامل الوحيد المحدد للنصر في الحرب.

ومن ثم بناءاً على هذه الإفتراضات، تبنت أغلب دول حلف شمال الأطلسي والكيان الصهيوني عقائدهم العسكرية، وهو ما أطلق عليه البعض  نموذج  "حرب النجوم".

نموذج حرب النجوم يعزز الإعتقاد المضلل بأن كل ما هو جديد يجعل القديم عفا عليه الزمن، ومن ثم عدم فاعليته وكفائته

التقنيات الناشئة، مثل الحرب الخوارزمية، تتفوق على أصول الحرب التقليدية، مثل الدبابات ومدافع الهاوتزر، ولأنها تحل محل التشكيلات القتالية التقليدية، الضخمة والمكلفة، بقوات صغيرة ورشيقة، فقد وجد البيروقراطيون، الذين كانوا يبحثون دائماً عن سُبل لخفض الميزانيات، وجدوا في هذا النموذج طابِعاً جَذاباً.

في حين كان لدى الكيان الصهيوني تقدير أعمق وأكثر دقة للتهديد الإيراني، إلا أنهم بسبب إفتراضاتهم المُرتبطة بنموذج "حرب النجوم"، فشلوا على غرار الولايات المتحدة، في تطوير نموذج عسكري قادر على التصدي بنجاح للتهديد الذي يواجههم.

من جانبهم، إنجذب قادة العسكر إلى هذا النموذج، لأن الأدوات الجديدة، بالإضافة إلى فعاليتها المتأصلة، كانت أيضاً أكثر إغراءاً من أدوات الحرب التقليدية، ومن ثم إتجهوا بإضطراد إلى المؤتمرات في وادي السيليكون، إذ حصلوا على وظائف إستشارية مربحة (بعد التقاعد من الخدمة العسكرية)، في شركات التكنولوجيا الفائقة. ( سيُفضل هؤلاء القادة إذا أُتيحت لهم حرية الإختيار، في التسجيل لممارسة ساعات تدريبية بالمحاكاة في الواقع الافتراضي على العمل بمدافع الهاوتزر عبر الوحل، وتحت المطر المتجمد؟)

 

في الواقع، كان من المفترض أن تعمل أدوات وادي السيليكون الجديدة على تحويل مدفع الهاوتزر إلى سلاح من أسلحة الماضي (جزئياً من خلال تعزيز أدوات الردع وتحسين قدرات الإستخبارات وتقنياتها)، ووفقاً لنموذج حرب النجوم، لم يكن لدى القوى الأدنى تكنولوجياً أي فرصة للفوز على القوى المتفوقة تكنولوجياً، لأن العين الإلكترونية العظيمة في السماء لا تنام أبداً وهم يرون كل شيء تقريباً على الأرض( ويقصد بها الأقمار الإصطناعية، والطائرات المُسيرة التي تمتلكها الدول المتقدمة تكنولوجياً/ المترجم)؛ أما على شاشات الكمبيوتر في الجيوش ذات التقنية العالية، تبرز قوات العدو مثل أسماك القرش في حوض أسماك مُضاء جيدًا: مخيفة المظهر ولكنها مرئية من جميع الجوانب وفي كل الأوقات، ومن ثم سهولة التعامل معها.

لقد ولّد التقدم التكنولوجي حلم ضابط المخابرات المُتمثل بـ: الشفافية الكاملة في ساحة المعركة المقترنة بتفوق المعلومات الذي لا تشوبه شائبة على الخصم

أدى تبني هذا النموذج (تقنيات حرب النجوم) على إشباع غرورهم، مما جعلهم يشعورن بصورة لا إرادية أن الأنشطة التي يقومون بها يتفوقون فيها بشكل غير طبيعي (العمليات الخاصة وجمع المعلومات الإستخبارية السرية)، كما أن المؤسسات التي يقدسونها كثيراً (الموساد، القوات الجوية، والقوات الخاصة)، وجميع المشاريع التي جعلتهم أثرياء مثل الأوروبيين (الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المتقدمة): هي على وجه التحديد العناصر التي منحتهم، مثل شمشون، قوة خارقة لا يُستهان بها، وهو بمجمله ما أثبت فشله، عندما جاءت الطائرات الشراعية لحماس وهي تحلق فوق سياج الكيان الصهيوني الذكي، والتي لم تستطع كل تلك التقنيات الحديثة على إكتشافها أو حتى التعامل معها.  

كانت القوات الجوية، وأجهزة الاستخبارات، والقوات الخاصة لفترة طويلة بمثابة النجوم اللامعة في ثقافة الأمن القومي لأمة الشركات الناشئة

إن البديل الأمثل لنموذج حرب النجوم، الذي فشل بشكل واضح ومذهل في ضمان أمن الكيان الصهيوني، هو نموذج "ماكس المجنون": وينص هذا النموذج البديل على أن أنظمة الأسلحة الجديدة والقديمة سوف تندمج، وذلك بفضل المفاهيم المبتكرة للعمليات، وضمن إطار هذا النموذج المُفترض، فإن ساحة المعركة في القرن الحادي والعشرين هي موطن لدبابات تي 64، التي خاضت معاركها الأولى في أوائل الستينيات من القرن الماضي، بالإضافة إلى الحرب الإلكترونية الحديثة، إذ يمكن للطائرات الصغيرة بدون طيار المتوفرة تجارياً في جميع أنحاء العالم إكتشاف المدفعية التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة، والتعامل معها ضمن منطق الحروب الحديثة.

وبموجب هذا النموذج، علينا أن لا نُقلل أبداً من شأن الخصوم الأقل شأناً من الناحية التكنولوجية، كما لن تكون الأدوات والأسلحة عالية التقنية أبداً العامل الوحيد أو حتى الأساسي الذي يحدد الفائز في الحروب. وينطبق هذا القول المأثور بشكل خاص على حروب الشرق الأوسط، التي تتحكم بها القوى العظمى من خارج المنطقة.

ولأن الحرب تظل اليوم كما كانت دائمًا، كنشاط سياسي، فلا يمكننا قياس الميزة الحقيقية لأي سلاح - سواء كان جديدًا ومتقدماً تقنياً أو قديماً وصدءاً - دون النظر أولاً في الإستراتيجية السياسية العسكرية التي يخدمها

النصر لا يأتي لمن يقتل أكبر عدد من جنود العدو، بل يأتي لمن يحول ما يحدث في ساحة المعركة إلى ترتيبات سياسية أكثر فائدة

 الخاسرون في ساحة المعركة يفوزون في كثير من الأحيان بالحروب، عن طريق إستنزاف القوى الكبرى المتقدمة حتى يرهقوها بصورة كبيرة، بحيث لا يتمكنون من مواصلة القتال، وهو ما حصل على سبيل المثال، في فيتنام، وحرب العراق الثانية، وأفغانستان، ففي كل هذه الأمثلة تفوقت الولايات المتحدة مراراً وتكراراً على خصومها عسكرياً، لكنها رغم ذلك خسرت تلك الحروب في النهاية.

 

أننا نعيش في عالم (ماد ماكس). وتكشف حربا أوكرانيا وغزة عن وجه الحرب المعاصرة، حيث أن الحروب سوف تكون طويلة، ومكلفة، وضخمة، وستشمل تشكيلات قتالية ميكانيكية ضخمة".

عززت الثورة الرقمية قدرات البلدان المتقدمة تكنولوجياً في نواحٍ عديدة، ولكنها عرضتها أيضاً لمخاطر جديدة، إذ وفرت بنفس الوقت أدوات جديدة مدهشة للدول الفقيرة والمتخلفة،  فبفضل الإنترنت والهواتف الذكية، تتمتع الآن معظم الدول بوفرة من المعلومات الإستخباراتية مفتوحة المصدر التي لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة حتى لأغنى الدول، كما يمكن للطائرات بدون طيار الرخيصة التي يتم شراؤها من الأسواق بأثمانٍ بخسة، أن توفر قدرات إستطلاع مذهلة  لمن يتبنيها وكما هو الحال في الحرب الأوكرانية الروسية، كما أن ما يقوم به أنصار الله الحوثيين هو مثال أكبر من واضح لما يمكن أن تقوم به التقنيات الحديثة البسيطة من أثر فعال في ساحة المعركة ( والأمثلة كثيرة على هذا الكلام).

 

يعتمد نموذج حرب النجوم أيضًا على إفتراض، غير معلن في كثير من الأحيان، وهو أن الاستيلاء على الأراضي والاحتفاظ بها أصبح بطريقة أو بأخرى جزءاً ثانوياً من القتال

من الممكن وبالتأكيد تحديد الحروب التي تم الفوز بها دون إحتلال الأراضي، إلا أنها قليلة، إذ يكاد يكون من المُحتم أن يكون حجم هذه الانتصارات صغيراً، لأن المنتصرين يفرضون إرادتهم من وراء الأفق من الجو أو البحر أو من خلال النفوذ الاقتصادي (ويبعدون لمسافات طويلة)، لكن هذا الإنتصارـ يفتقر إلى الوجود المادي على الأرض الضروري لتشكيل نظام سياسي جديد.

إن عقلية نموذج(ماد ماكس) المُفترض، يزرع حساسية متزايدة تجاه عبارة "على الأرض"، ومع إستثناءات بسيطة، تُترجم الجيوش إنتصاراتها في ساحة المعركة إلى تغييرات دائمة إما عن طريق الاستيلاء على الأراضي أو التهديد بذلك بشكل مقنع، لكن في العالم الرقمي الجديد، لن تختفي الأصول القتالية التقليدية مثل (التشكيلات القتالية الضخمة المليئة بالمدفعية وأنظمة الصواريخ والوحدات الهندسية والدروع الثقيلة)  لأنها وحدها القادرة على الاستيلاء على الأراضي والإحتفاظ بها بشكل حاسم.

 

 

رغم أن الجيش الإيراني تقليدي صغير وغير مجهز بتقنيات تكنولوجية حديثة، إلا أنه إستثمر بكثافة في القدرات العسكرية الحديثة مثل الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، وهو إستثمار أدى إلى خلق نموذج نظام عسكري هجومي جديد في الشرق الأوسط، أثر على طبيعة وشكل "توازن قوى" الراهن في المنطقة.

تحت تأثير حرب النجوم، أهمل الكيان الصهيوني  دوره من خلال السماح لقواته البرية بالضمور، وكمثال على ذلك عام 2018، قال أحد قادة جيش الكيان الصهيوني في معرض تعليقه على زيادة تبني التقنيات الحديثة في عقيدة جيشهم:

 

"إن عدم نشر القوات البرية “يؤثر في النهاية على الرغبة في القتال، فما يجعلنا قوات عسكرية بمرور الوقت هو الإحتكاك مع الجانب الآخر، ومن ثم في غياب الإحتكاك مع العدو يَدخُل الجيش في حالة “الموت السريري”، لذا في السابع من تشرين الأول ذاق الكيان الصهيوني ما كان يقصده هذا القائد العسكري بـ«الموت السريري».

كان لدى جيش الكيان الصهيوني ترسانة ضخمة من الأسلحة المتطورة والفتاكة، بما في ذلك سرب كبير من طائرات أف-35 المضادة للرادار، والتي كانت قدراتها في السابق تُعتبر ضرباً من الخيال العلمي، ولكن كما تبين، لم يكن لأي من هذه الأسلحة أي إستخدام على الإطلاق ضد الجماعات التي تتسلح بشكل رئيسي ببنادق الكلاشينكوف.

من خلال مفهومه الإستراتيجي لعام 2022، بدأ حلف شمال الأطلسي عملية شاقة ومستمرة للتخلي عن المفاهيم الخاطئة التي مفادها أن الصراعات الكبرى بين الدول قد إنتهت، وأن الحروب ستكون قصيرة وغير متكافئة، وأن السيطرة على الأراضي بقوات ميكانيكية كبيرة لم تعد تشكل أهمية مركزية لخوض الحروب

 لكن المفهوم الاستراتيجي لا يزال يعاني من بعض أوجه القصور المفاجئة، ليس أقلها تعامله مع إيران (إذ تتناول هذه الوثيقة بإيجاز فقط الصواريخ الإيرانية كعامل أساس لترسانة من أسلحة الدمار الشامل)، ولا تحتوي على أي ذكر، على سبيل المثال، للطائرات بدون طيار الهجومية، التي كان لها الدور الكبير في التوازن العسكري في الشرق الأوسط لسنواتٍ عدة، ( لم تذكر الوثيقة آنذاك دورها المُفترض في الحرب الروسية الأوكرانية والتي تنامت بعد بعد ذلك).

في حين كان لدى الكيان الصهيوني تقدير أعمق وأكثر دقة للتهديد الإيراني المُفترض، إلا أنهم، بفضل إفتراضاتهم المتعلقة بحرب النجوم، فشلوا أيضاً في تطوير نموذج عسكري يتصدى له بنجاح بجميع أبعاده، إذ بينما تتنافس إيران الآن مع الكيان الصهيوني بشكل مباشر، فإنها تمتلك أربع مزايا فاجأت مخططي الحرب في الكيان الصهيوني وهي مزايا منفصلة لكن إذا تم دمجها سويةً، فأنها تشكل تهديداً وجودياً لهم بحجم لم تواجهه البلاد منذ أيام الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر.

 

ليس لدى الكيان الصهيوني حل واضح للتهديد الذي تشكله جماعات محور المقاومة، وليس لديها خطة لمحاربة "محور المقاومة" كوحدة واحدة

 

 

أولاً: ميزة الحرب السياسية: أصبحت النخب الأمريكية، وخاصة الشابة منها، معادية للصهيونية بشكل متزايد. ولم تعد الأصوات التقليدية الداعمة للكيان الصهيوني (واليهود) تحظى بآراء متعاطفة في المؤسسات الثقافية والتعليمية. هذه المؤسسات، الغارقة في التقدمية، تقوم بتعليم الشباب أن يعتبروا الصهيونية عنصرية. ومن الواضح أن إيران تدرك أن هذا التطور يمثل فرصة. فالثورة الرقمية وإنتشار الهواتف الذكية تزودها، ناهيك عن الصين وروسيا، بوسائل جديدة ورخيصة وفعالة للغاية لنشر الدعاية في الوقت الحقيقي لوسائل الإعلام الغربية وشخصيات ومؤسسات وسائل التواصل الاجتماعي التي تنشرها بحماس، ومباشرة إلى الجمهور المطمئن، وبالنسبة لقطاع كبير من الجمهور، على مستوى العالم، فإن الصراع في غزة هو حرب بين قوات الكيان الصهيوني والأطفال الفلسطينيين، وهو ما تم إدراكه ومكافحته من قبل الدول الغربية والكيان الصهيوني بصورة متأخرة وببطئ.

 

ثانياً: محور المقاومة الإيراني: وهو شيء قريب من تحالف عسكري يعمل على تحقيق الهدف الموحد المتمثل في إنقاذ حماس وإضعاف الكيان الصهيوني، لقد إفترض جيش الكيان الصهيوني منذ فترة طويلة أن محور المقاومة سيبقى كما كان دائمًا: شبكة منفصلة من الجهات الفاعلة التي يعمل كل منها وفقًا للقيود التي تمليها بيئته المباشرة.

أن فكرة تجزئة الجبهات جعلت الجيش الصهيوني يتعامل مع التهديد الإيراني من خلال أربعة تحديات منفصلة:

1- تعطيل القوات الإيرانية والقوات المدعومة منها على الأرض في سوريا.

 2- تأخير برنامج التسلح النووي الإيراني.

 3- ردع حزب الله اللبناني.

 4- إبعاد حماس عن امتلاك القدرة على تجديد هجماتها.

تغيب عن هذه القائمة بالكامل جماعات محور المقاومة في العراق، وأنصار الله الحوثيين، الذين ليس لدى الكيان الصهيوني  حل واضح لردعهم. ولكن الأهم من ذلك كله، ما هي خطة الكيان الصهيوني  لمحاربة محور المقاومة كوحدة واحدة؟ والجواب الواضح على هذا السؤال هو ليس لديها أي شيء.

الميزة الثالثة تتمثل في أن إيران أنشأت ما يسميه المحللون العسكريون نظاماً عسكرياً "تُهيمن عليه فكرة الهجوم":

ما هي "الهيمنة الهجومية" على وجه التحديد؟ الطائرات بدون طيار والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الإيرانية تمنحها ميزة هجومية، ولكن عندما يتم دمج هذه الأسلحة في هجوم واحد وبنفس الوقت، فإنها يمكن أن تتخطى وتتفوق على أفضل الدفاعات الصاروخية في العالم
(وهي القدرة التي أظهرتها إيران في 13 نيسان ، عندما أطلقت أكثر من 300 رأس حربي على الكيان الصهيوني) .

أعتبر العديد من المحللين الهجوم بكونه فشلاً كبيراً لإيران، ونجاحاً كبيراً للكيان الصهيوني  وشركائه في التحالف، وكانت حجتهم في هذا الكلام أن بعض الأسلحة الإيرانية فشلت في الإنطلاق أو إنحرفت عن مسارها، لذلك، أسقط الكيان الصهيوني  وشركاؤه في التحالف جميع الصواريخ والطائرات المُسيرة التي كانت في طريقها لضرب أهدافها تقريباً، كما فشلت الصواريخ الباليستية الإيرانية الأربعة التي تمكنت من إختراق شبكة الدفاع الجوي للكيان الصهيوني في إحداث أضرار كبيرة، إذ بالنتيجة لم يمت أحد.

بعد ذلك، وبإستخدام قدر كبير من القوة، رد الكيان الصهيوني  في 19 نيسان بضرب نظام الدفاع الجوي الإيراني الذي يحمي منشأة نطنز النووية بالقرب من أصفهان، وتستمر الحجة بأن الكيان الصهيوني قد أثبت لإيران بأن صواريخهم لا تستطيع إختراق دفاعاتهم، وأنهم مُسلحون بتقنيات عسكرية أفضل منهم، لذلك، كان من المفترض أن يكون هذا الأداء مُبهراً ومُرعباً للإيرانيين.

من المؤكد أن الكيان الصهيوني ومعه شركائه في التحالف أظهروا قدرات مثيرة للإعجاب، ومن المرجح أن يكون الأداء الضعيف للأسلحة الإيرانية قد خيب الآمال بعض الشيء، ولكن قبل المبالغة في تقدير أهمية خيبة أملهم المُفترضة: لأن علينا المقارنة بين نظريتي "حرب النجوم" العالية التقنية التي يتبناها الكيان الصهيوني ، ومنهج"ماد ماكس" المنخفض التقنية الذي يتبناه الإيرانيون، إذ أن عقلية "ماد ماكس" تُذكّرنا بأن القوة الحقيقية للسلاح لا يمكن إستيعاب مضمونها إلا في سياق إستراتيجية سياسية عسكرية أكبر.

علينا ملاحظة أن سياق التحليل هذا بأكمله متجذر في إفتراض حرب النجوم المشكوك بأمره، لذا لا يمكننا إستخلاص قوة وفعالية أسلحة الخصم ذات القدرات التقنية المتخلفة من خلال مقارنتها مع نظيراتها عالية التقنية

تعمل إيران على تبني مثل هذه الإستراتيجية الُمنهكة لتوريط الكيان الصهيوني  في حرب إستنزاف طويلة. وفي الوقت نفسه، فهي تدق إسفيناً بين الكيان الصهيوني وواشنطن

 في حين أن تحليل منهج حرب النجوم يدعونا إلى رؤية أحداث نيسان الماضي بإعتبارها مواجهة واحدة لن يكون لها أي تتمة، فمن المفيد أن نفهم أن ننظر إليها على أنها مجرد جولة واحدة في سلسلة طويلة من المواجهات دون نهاية واضحة في الأفق، لذا فإن إيران تعمد إلى مواجهة الكيان الصهيوني من خلال العديد من الإجراءات المتنامية في تأثيرها (بدءاً بالقدرات الفتاكة المتزايدة لقدراتها الصاروخية وإنتهاءاً بالطائرات المُسيرة).

قبل عقدين من الزمن، لم يكن برنامج الصواريخ الإيراني يثير أي تساؤلات، أو بالأحرى لم يكن له أي أهمية تُذكر لدى المُحللين الغربيين، واليوم يحتل هذا البرنامج مكانة متزايدة الأهمية لدى أولئك المُحللين، إذ في العقد الماضي، زادت فاعلية وقدرات وقوة أنظمة الأسلحة الإيرانية بشكلٍ متنامي، وهو الإتجاه الذي تعمل إيران على تسريعه من خلال التعاون العسكري مع روسيا.

يتقاسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التكنولوجيا مع إيران، بما في ذلك الأنظمة الفرعية المهمة للطائرات بدون طيار والصواريخ الباليستية، والتي ترفع أسلحة إيران إلى مستوى جديد، كما تساعد البيانات التي تجمعها إيران من الحرب الروسية الأوكرانية على تحسين قدرات طائراتها المُسيرة، والتي أصبحت بالفعل أكثر قدرة على التخفي، إذ عندما ظهرت لأول مرة في سماء كييف، كان لدى الأوكرانيين معدل إعتراض شبه مثالي، لكنها هذا المعدل إنخفض اليوم إلى ثمانين بالمائة، لذا في المحصلة إرتفع أداء هذه الطائرات، وكذلك حجمها وتعدد إستخداماتها.

 

إيران لديها القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية المستقلة تماماً ما يمنحها السيادة التشغيلية، ومن ثم لن تنجح محاولات أعدائها لكبح جماحها من خلال حجب السلاح عنها، بينما الكيان الصهيوني  في المقابل يعتمد بقاعدته الصناعية والتكنولوجية الدفاعية بشكل كامل على الولايات المتحدة.

في هجوم 13 نيسان الماضي على الكيان الصهيوني، لم تستخدم إيران سوى نوعين من قدراتها الصاروخية، وهو ما قد تم الكشف عنه سابقاً ( صاروخ خرمشهر4 المُزود برأس حربي ضخم يزن 1814 كيلوغراماً تقريباً، وصاروخ فتاح 1 الذي يتمتع بقدرات كبيرة للمناورة)، وخلال هذا الهجوم سعت إيران إلى إجهاد النظام الدفاعي الجوي للكيان الصهيوني، وإرهاق إقتصاده بالمزيد من الأكلاف والأعباء الباهظة (يُقدر المراقبون أن الكيان الصهيوني  وحده أنفق في تلك الليلة أكثر من مليار دولار، وهي فاتورة باهظة مقابل بضع ساعات فقط من النشاط العسكري)، وليس لدينا معلومات حول التكلفة التي يتحملها التحالف بأكمله، لكن مسؤولي إدارة بايدن شهدوا أمام الكونجرس بأن البحرية الأمريكية أنفقت ما يقرب من مليار دولار على مدى الأشهر الستة الماضية لإعتراض الصواريخ والطائرات بدون طيار التي أطلقها الحرس الثوري الإيراني وجماعات محور المقاومة في المنطقة.

 

المقارنة هنا في كلف وأعباء المواجهة تميل لصالح إيران ، إذ تبلغ تكلفة طائراتها الهجومية بدون طيار 20 ألف دولار للقطعة الواحدة، بينما تُقدر تكلفة صاروخ الباتريوت الإعتراضي 3 ملايين دولار على الأقل، كما أن إيران لديها وفرة كبيرة في الأسلحة ذات الصلة ( الطائرات بدون طيار والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز ضخمة)، وهي واحدة من أكبر الترسانات في العالم.

إن مواجهة  إيران وأطراف محور المقاومة، هي لعبة لا تجدي النفع، لذا لتجنب الخسارة، يجب على الكيان الصهيوني أن يقوم بإعتراض أي هجوم، فإيران لا تخاطر بأي شيء بالهجوم، ولا تحتاج إلا إلى ضربة حظ واحدة، على سبيل المثال، ضد هاكيريا ( وهو مبنى وزارة الدفاع لديهم والمُشابه للبنتاغون الأمريكي) في وسط مدينة تل أبيب؛ أو ديمونة، مفاعلها النووي في النقب، لإلحاق مأساة وطنية بهم، ومن ثم  فإن القول بــــــــ "نجاح" الكيان الصهيوني بالتصدي للهجوم الأيراني  في 13 نيسان كان مُضللاً، وبعيداً عن الواقع: إذ أن إيران أعلنت مُسبقاً عن نوايها بشن الهجوم على الكيان الصهيوني، مما سمح لهم ومعهم الولايات المتحدة بالإستعداد مسبقاً، إلا أن إيران قد تلجأ مستقبلاً إلى عنصر المفاجأة.

ولأن إيران لا تعتمد على أي قوة خارجية في إنتاجها الصناعي الدفاعي، فإنها تتمتع بحرية العمل الكاملة، مما يمنحها الاكتفاء الذاتي، أو ما يُطلق عليه "السيادة العملياتية"، أي القدرة على إتخاذ القرار بمفردها بشأن ما قد تتعرض لها، ومن ثم وبفضل قاعدتها الصناعية الدفاعية السيادية، ربما ستتمكن، إذا إختارت القيام بذلك، من إطلاق وابل هائل من الأسلحة المُتعددة الأنواع على الكيان الصهيوني  كل ليلة لمدة أسبوعين متتاليين.

على النقيض من ذلك، يُعاني الكيان الصهيوني  من تقلص السيادة العملياتية (بسبب إعتمادها على الولايات المتحدة)، التي تدقق في كل خطوة يتخذونها تجاه إيران، لذا لا يستطيع جيش الدفاع الصهيوني الدفاع ضد الأسلحة الإيرانية دون مساعدة القيادة المركزية الأمريكية. علاوةً على ذلك، يُشارك الكيان الصهيوني  في تصنيع الصواريخ الاعتراضية في نظام القبة الحديدية الخاص به في الولايات المتحدة، مما يمنح واشنطن خيار حجب إعادة الإمداد للتأثير على سياستهم.

الميزة الرابعة المفاجئة التي تتمتع بها إيران في صراعها مع الكيان الصهيوني، هي الإنتفاع من السياسة الأمريكية: ( ترتكز هذه الميزة على وجود ما أسماه البعض بتيار مناؤئ للكيان الصهيوني في الإدارة الأمريكية).

دعم بايدن حرب الكيان الصهيوني  ضد حماس التي تدعهما إيران، وقد أرسل مجموعات من حاملات الطائرات إلى الشرق الأوسط لردع إيران وحلفائها في محور المقاومة، كما أنه أمر الجيش الأمريكي بتنفيذ غارات هجومية في العراق واليمن، ويعمل على  تشجيع التطبيع السعودي مع الكيان الصهيوني، وترأس في 13 نيسان جهود تحالف كبيرة للدفاع عن الكيان الصهيوني  ضد هجوم غير مسبوق تاريخياً بواسطة الصواريخ والطائرات بدون طيار، علاوةً على ذلك، فعل بايدن كل هذا، بينما أدار أذنه الصماء لأولئك في حزبه الذين طالبوه بإتخاذ موقف أكثر صرامةً ضد الكيان الصهيوني!

كان لإجراءات إدارة بايدن على سياسات الكيان الصهيوني، أثر مهم في طبيعة العلاقة معهم، وإيران بنفس الوقت:  وبغض النظر عن مشاعره ونواياه حول تلك الإجراءات التي تم وصفها بكونها قيود على نطاق واسع على توجهات جيش الكيان الصهيوني من جهة، لكنها بموجب وجهة نظر الإدارة الأمريكية تُعد خطوط بايدن الحمراء تجاه إيران، كما هو مبين أدناه:

  • بعد إنخراط حزب الله في حرب غزة يوم 8 تشرين الأول 2023، ضغطت إدارة بايدن على الكيان الصهيوني  على الفور للرد بشكل متناسب وعدم التصعيد، وكررت هذه الرسالة مراراً وتكراراً.
  • شجعت الإدارة الكيان الصهيوني  على عدم مهاجمة أنصار الله الحوثيين في اليمن، رداً على هجماتهم على الكيان الصهيوني .
  • رداً على هجمات أنصار الله الحوثيين على السفن التجارية الدولية وعلى السفن البحرية الأمريكية، رفضت الإدارة مهاجمة إيران مباشرة، وتجنبت مهاجمة ضباط الاتصال الإيرانيين في اليمن.
  • ضغط الرئيس بايدن على رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو لعدم شن ضربة إستباقية على إيران بينما كانت تستعد لصواريخها لمهاجمة الكيان الصهيوني  في 13 نيسان.
  • حث الرئيس بايدن الكيان الصهيوني  على عدم شن هجوم مضاد بعد الهجوم الصاروخي الذي وقع في 13 نيسان.
  • رداً على مئات الهجمات التي شنها محور المقاومة على القوات الأمريكية، بما في ذلك الهجوم الذي أدى إلى مقتل ثلاثة أمريكيين في الأردن، رفضت الإدارة مهاجمة إيران بشكل مباشر.
  • قامت الإدارة، من خلال التراخي في التنفيذ، برفع العقوبات المفروضة على مبيعات النفط الإيراني إلى الصين بشكل فعال، ورفضت تغيير مسارها رداً على العدوان الإيراني ضد الكيان الصهيوني  أو القوات الأمريكية.

هذه الخطوط الحمراء السبعة توضح عقيدة بايدن ( وفق وجهة نظر معارضيه ومعظممهم من مؤيدي الكيان الصهيوني): إيران حرة في مهاجمة أي دولة بالصواريخ والطائرات بدون طيار، لكن لا يُسمح لأي دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، بمهاجمتها مرة أخرى

إن مبدأ بايدن له آثار خطيرة فيما يتعلق بالعلوم العسكرية، إذ سبق تعلمنا  أن بديهية الردع تفيد بأنه من المستحيل مواجهة قدرات هجومية مميتة بإجراءات دفاعية بحتة، فالعمل الهجومي وحده هو الذي يمكنه تصحيح التوازن، إذ يمكن أن تحميك السترات المُضادة للرصاص من أي هجوم، ولكن لردع أي هجوم، يجب عليك إستخدام سلاح فتاك، وإقناع المهاجم المحتمل أنك لن تتردد في الضغط على الزناد لمواجهته، لذا وسبيلاً لمنع إيران من إطلاق الطائرات بدون طيار والصواريخ (بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال حلفائها في محور المقاومة) يجب على نتنياهو إقناع إيران بأن الكيان الصهيوني  سيرد بالهجوم، وأن إيران ستخسر أشياء عزيزة عليها إذا إستمرت بهجومها. ومع ذلك، فإن ضبط النفس الذي يفرضه بايدن على الكيان الصهيوني  يجعل تهديدات نتنياهو غير مقنعة.

بحسب ما ورد قال بايدن لنتنياهو بعد الإعتراض الناجح للصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية في 13 نيسان : لقد إنتصرنا ( وفق وجهة نظرهم)، ومع ذلك، من وجهة نظر إيران، لم يفوز الكيان الصهيوني  بالمواجهة، لكن في هذا اليوم 13 نيسان، غيرت إيران قواعد الإشتباك مع الكيان الصهيوني دون أن تعاني من أي عواقب ذات معنى على الإطلاق، وكان "الهجوم المُضاد" الذي شنه الكيان الصهيوني  هو مجرد لفتة لا ترتقي إلى مستوى الفعل الإيراني، إذ أن  إيران قد إتخذت القرار بالمبادءة والهجوم، لكن الكيان الصهيوني، على الرغم من أسلحته المتطورة، لم يفعل ذلك.

 

إيران تطبق "إستراتيجية إنهاك تسعى إلى توريط الكيان الصهيوني  في حرب إستنزاف طويلة، وفي الوقت نفسه تدق أسفيناً" بين الكيان الصهيوني  والولايات المتحدة

على مدى السنوات الثماني والستين الماضية، لم تتغير التحديات الأمنية الأساسية التي يواجهها الكيان الصهيوني إلا بدرجة أقل مما يوحي به تقدمه الإقتصادي والتكنولوجي الذي تم وصفه بــــ(المعجزة)، لذا فإن ردع أعداء الكيان الصهيوني  والحصول على دعم القوى العظمى (أو بعبارة أخرى:عزل البلاد عن ضغوط القوى العظمى) يظلان المهمتين الأساسيتين للأمن القومي الصهيوني، فقد أنشأ مهندسو نموذج حرب النجوم في الكيان الصهيوني جيشاً مذهلاً من الناحية التكنولوجية، لكنه ليس مثالياً لأي من هاتين المهمتين في عالم (ماد ماكس) المُفترض.

 

تشمل نقاط الضعف الأساسية في طريقة الكيان الصهيوني الحالية للحرب، على:

  • الإعتماد المفرط على الدفاع الجوي والصاروخي
  • تبني قدرات الضربة الدقيقة المتطورة من خلال الهجوم الإستباقي، وقدرات الإستخبارات والمراقبة والإستطلاع التي تتمحور بشكل أساسي حول التكنولوجيا.

إن الثقة المفرطة في هذه المجموعة من الأصول دفعت الجيش الصهيوني إلى القبول كالمعتاد بإطلاق حماس للصواريخ بشكل روتيني على الكيان الصهيوني  وتوسيع ترسانة حزب الله اللبناني دون أن يؤدي أي من هذه التطورات إلى توغل بري من قبل الكيان الصهيوني .

بشكل أكثر عمومية، فشل الجيش الصهيوني في إتخاذ الإجراء الكامل للنظام المهيمن على الهجوم الذي طورته إيران بفضل قدراتها العسكرية

 أصبحت إيران ماهرة بشكل خاص في بناء حزم الضربات المختلطة من خلال الجمع بين أصول الحرب الصاروخية وأصول حرب الطائرات بدون طيار، التي تتفوق وتطغى على أجهزة الإستشعار والصواريخ الإعتراضية لأنظمة الحرب الجوية الحديثة.

ونتيجة لهذه القدرات وغيرها، حققت إيران وحلفائها إنجازاً لم يسبق له مثيل من قبل أي من أعداء الكيان الصهيوني السابقين وجعلوا الحياة الطبيعية للمجتمعات المدنية داخل الكيان الصهيوني  بخطر ( في الشمال على طول حدود لبنان، وكذلك في الجنوب في محيط غزة)، وعلى الرغم من القدرة العسكرية للكيان الصهيوني العالية التقنية (أو ربما بسببها)، فقد فشل جيشهم في التصدي لهذا التهديد إلا بعد فوات الأوان.

 الفشل في تقدير العاصفة المتصاعدة دفع بالجيش الصهيوني إلى الاكتفاء لسنوات بمهاجمة حماس وحلفاء إيران في سوريا بشكل شبه حصري من الجو، مع تجنب الصراع المباشر مع حزب الله وإيران نفسها.

نموذج حرب النجوم يعلمنا أن القوى المتقدمة تكنولوجياً سوف تتغلب على أعدائها المحرومين تكنولوجياً. إلا إن حرب أوكرانيا والقتال في غزة هي كرات بلورية تكذب هذا الرأي

 ستشبه الحروب المستقبلية الحرب العالمية الأولى أكثر من أي شيء شهدناه في القرن الماضي. وستكون طويلة، ومكلفة، وضخمة: وطويلة، لأن الدفاعات مثل أنفاق حماس وخنادق روسيا يصعب التغلب عليها من قبل المهاجمين، لكنها ستكون مرئية للطائرات بدون طيار الرخيصة والمتاحة تجارياً؛ ولأن وتيرة القتال ستكون مكثفة، وتستهلك أطناناً متزايدةً من الذخائر؛ وسوف تتطلب قدرات قتالية تقليدية مثل قوة نيران المدفعية، والدروع الثقيلة، وتشكيلات قتالية ضخمة قادرة على الاستيلاء على الأراضي.

التقنيات العسكرية المدمرة، مثل أنظمة الدفاع الجوي المحمولة، والذخائر الموجهة المضادة للدبابات، ناهيك عن الطائرات بدون طيار والصواريخ (الذي تتبناه إيران وحلفائها)، أصبحت متاحةً على نطاق واسع وأكثر فتكاً من أي وقت مضى، وتُحرِم هذه التقنيات التشكيلات القتالية الصغيرة والمتوسطة الحجم من السيطرة الإقليمية، ونظراً لأن قمعها بالكامل يُمثل تحدياً كبيراً، ويكاد يكون مستحيلاً، فإنها تسمح للمتحاربين المحرومين بإستنزاف قوى أكبر بشكل غير متماثل.

 


* دراسة تم نشرها في معهد هدسون الأمريكي، وهي تبحث في طبيعة تبني تقنيات الذكاء الصناعي في الجيوش الحديثة، من خلال المقارنة بين إعتماد جيش الكيان الصهيوني لهذه التقنيات وتم تشبيهها بنموذج حرب النجوم نسبة إلى فلم الخيال العلمي، والجيش الإيراني الذي إعتمد تقنيات حديثة وقديمة ودمج بينهما وتم تسمية هذا النموذج بإسم ( ماد ماكس) تشبيهاً بأحد أفلام الخيال إذ يتم إستخدام تقنيات بدائية لتحقيق السيادة والنفوذ،

The Gates of Gaza, By: Michael Doran & Can Kasapoğlu, May 14, 2024