ازمة الهوية العراقية 

التصنيف: مقالات

تاريخ النشر: 2024-05-26 10:57:25

من السهولة على كل باحث في الشأن السياسي العراقي منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة أن يشخص أن سبب عدم الاستقرار السياسي يعود في أحد أسبابه هو ضعف وهشاشة الهوية الوطنية وتفوق الهويات الفرعية عليها ، وأذا كان التنوع المكوناتي حالة طبيعية متواجدة في أغلب الدول تبقى ادارة وتنظيم هذه الهويات هي المشكلة التي عجزت عن القيام بها من مختلف الأنظمة السياسية التي حكمت العراق .
يصف  - عز الدين بن أبي الحديد - العراق بقوله ( أن طينة العراق  ما زالت تنبت  أرباب الاهواء  وأصحاب النحل العجيبة  والمذاهب البديعة ، وأن أهل هذا الاقليم أهل بصر وتدقيق ونظر وبحث عن الاراء والعقائد)1.أي أن التعدد والتنوع المكوناتي سمة عراقية منذ القدم بحكم التمايز الجغرافي والديموغرافي ، نفس هذه السمة ممكن أن تكون عامل قوة أذًا ما وظفت بسياقها الصحيح وعامل ضعف أذا تركت بدون رعاية وتوجيه صحيح من قبل النخب الحاكمة والمؤثرة 
الحكومات والهوية الوطنية:
أن المشكلة الحقيقية ليس في أمتلاك المواطن هوية فرعية أضافة لهويته الوطنية ، بل تكمن في أدارة التزاحم بين هذه الهويات وتحديد مساحة ظهور كل هوية في مساحتها الطبيعية ضمن أطار الهوية الوطنية الجامعة، وهذا هود الدور  الذي يمكن أن تؤديه الحكومات الوطنية بأحترافية وتوازن دقيق دون تمادي أي هوية وطغيانها أو التضييق على هوية أخرى ، وحيثما وجدنا أختلالا في ادارة خلق الهوية الوطنية فأن الحكومة ومؤسساتها تتحمل الجزء الأكبر من هذا الاختلال، وعند متابعة هذا الموضوع نجد أن الحكومات العراقية المتعاقبة في العراق الحديث تعاملت مع قضية الهوية بطريقتين فقط كان لهما السبب في فقدان الهوية الوطنية الجامعة وهما :
1 - تجاهل وتغييب كامل للهويات الفرعية : عمدت جميع الحكومات العراقية وخاصة في فترة ما قبل النظام الديمقراطي إلى تجاهل وتعتيم مبالغ فيه بحق الهويات الفرعية للمكونات العراقية القومية والدينية والمذهبية  حتى أصبحت في نظر الإعلام والبحث والدراسة من المحرمات والخطوط الحمر التي لا يمكن تجاوزها أو الولوج في عوالمها ميادينها ، حتى تحولت هذه المكونات كأنها جزء غريب في جسم الوطن ونسيجه الاجتماعي ، فلا تستطيع ان تعبر عن ثقافتها وطقوسها ومعتقداتها خوف من العقاب بحجة أن طرح هذه المواضيع مثيرة للفتن وتهدد الوحدة الوطنية ، فلم تقدم المناهج الدراسية للطالب العراقي أي فكرة عن المكونات العراقية من الناحية التاريخية أو الثقافية وماهي لغتها ؟ وما هو نتاجها الفكري والادبي ؟ومن رموزهم ؟ وماهي عاداتهم وأعرافهم؟، بينما يدرس بالتفصيل تاريخ وآداب اوربا وأمريكا   ويتعرف على شعرائهم وعلمائهم وحروبهم وطبيعة حياتهم.
أما وسائل الإعلام فانها كانت تنفذ أجندة الحكومة فلم نشاهد عملا دراميا ينقل عن واقع هذه المكونات وحياتهم الاجتماعية ، ولم نشاهد عملا تمثيليا يضم عوائل من هذه المكونات وكأنما المجتمع العراقي بلون واحد فقط ، ولم نستمع إلى برنامج يتولى التعريف بهم وبحياتهم فلا نعرف مطرب من القومية الكردية ، ولم نعجب بممثل من القومية التركمانية ، ولم نقرأ لشاعر آشوري  وهكذا  تم منع وبشكل ممنهج أي تقارب أو تفاعل أو اندماج بين هذه المكونات لمد جسور التواصل والانسجام وتذويب الفوارق وأتساع مساحة الهوية الوطنية فأنتج شعورا كبيرا بالاغتراب أنتج شعورا لدى هذه المكونات كأنهم مواطنين من الدرجة الثانية .
2 - التركيز على الحلول الامنية والسياسية: اعتقدت الحكومات السابقة أن كل مطلب إظهار الهويات الفرعية لهذه المكونات بأنه يشكل تهديد للامن الوطني وعامل تفتيت لوحدة الدولة والمجتمع العراقي بل ذهبت الحكومات بعيدا بذلك حيث جعلت كل مطلب لابراز الهويات الفرعية بأنه مؤامرة مدعومة من جهات خارجية وأجنبية تشكل تهديدا للامن القومي العراقي يجب قمعها بالأساليب العسكرية والامنية والتاريخ العراقي حافل بالتعامل العسكري المتأسف مع بعض هذه المكونات سواء بحق الآشوريين أو الأكراد أو الشيعة في فترات مختلفة وصل حتى أستخدام السلاح الكيمياوي  والإعدامات بالجملة كون هذه المطالبات تمثل فعلا تآمريا بحق الوطن والنظام السياسي ، ومن أجل أن تظهر بعض الحكومات أنها تراعي هذه المكونات قامت بمنح بعض من يحملون هذه الهويات مناصب وزارية شكلية  لأضفاء الشرعية والهوية الوطنية لهذه الحكومة أعتقادا منها أن مثل هذا الاجراء يمثل حلا لأزمة الهوية التي لا تنحصر أبعاده في الجانب السياسي بل أن لها أبعادا  ثقافية وقانونية وأجتماعية لابد من توفرها لانتاج شعور وطني جامع لكل الهويات الفرعية .
هذه الأساليب في التعامل مع المكونات الاجتماعية أدت إلى ظهور ردات فعل متطرفة وبنفس الشدة تجاه النظام السياسي الديمقراطي بعد عام 2003 بعد أن زالت أساليب القمع السلطوية فذهبت بعض المكونات بالتعسف بالمطالب السياسية وصلت حد المطالبة بالانفصال وهو نفس الخطأ الذي وقعت فيه الحكومات السابقة بالتركيز على الجانب السياسي والامني  في معالجة المشكلة لأن هذه المكونات لا يمكنها البقاء وحيدة بدون العمق الوطني العراقي .

التوصيات
هناك حقيقة راسخة يجب أن يقر بها ويعمل عليها الجميع بأن قوة ووحدة العراق تتمثل بأنسجام ووحدة مكوناته ومنحها حقوقها السياسية والثقافية والإدارية والمجتمعية والعمل على تجسير العلاقة بين هذه المكونات للوصول إلى قناعة مشتركة بأن العراق يسع جميع المكونات والطوائف وهذا يتطلب معالجات عامة وفي ميادين  وأبعاد متعددة منها :
1 - البعد القانوني: يعتبر الدستور هو القانون الأعلى والذي يجب أن يتضمن في بنوده ومواده كافة الحقوق لهذه المكونات بما يضمن العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين بغض النظر عن الانتماء الديني والقومي والمذهبي مع تشريع القوانين المنظمة لحقوق المكونات في حماية هوياتها الفرعية وحريتها في ممارسة ثقافتها وطقوسها ضمن الاطار الوطني دون التعدي على حقوق الآخرين 
2 - البعد السياسي : يجب أن تمنح جميع المكونات الوطنية كافة الحقوق السياسية ومنها تشكيل الاحزاب السياسية والمشاركة في الانتخاب ترشيحا وأنتخابا مع أتاحة الفرص المتساوية لهم في تولي المناصب والمواقع الحكومية حسب الكفاءة والخبرة والاختصاص  ، بأعتبار أن المشاركة في صنع القرار السياسي على المستوى الوطني يرفع من منسوب الروح والهوية الوطنية وعدم التخندق الصلب في الهوية الفرعية .
3 - البعد الثقافي : وهو البعد الأكثر أهمية والمغيب من معالجة الأزمة حيث أن التبادل المعرفي لثقافات ومعتقدات المكونات وأنفتاحها على بعض يولد درجة عالية من الاطمئنان وأزالة الشكوك والهواجس المغروسة في أذهان الناس بسبب الاجراءات السلطوية السابقة التي زرعت الخوف من الاخر بسبب عدم المعرفة  ، لذا نجد من الضروري أقامة النشاطات الثقافية المشتركة والفعاليات الادبية والفنية والفكرية المشتركة التي تفتح نوافذ تبادل الأفكار والتصورات لأبراز المشتركات الثقافية بين هذه الهويات الفرعية لتتسع من خلالها مساحة تفعيل الهوية الوطنية.
4 - البعد الإعلامي : يلعب الإعلام ومن خلاله وسائله المتنوعة في عالم اليوم دورا في زيادة وعي الناس والتعريف بالحضارات والثقافات والامم الأخرى ، واذا الأنظمة الديكتاتورية قيدت الإعلام الوطني فأننا اليوم نعيش جوا ديمقراطيا  مقبولا يتيح لوسائل الإعلام المتنوعة ممارسة دورا مهما في التعريف بهويات المكونات الوطنية من خلال الأفلام السينمائية والأعمال الدرامية والنشاطات الفنية والمعارض والمسارح التي تعرف بالهويات الفرعية بصورة حقيقية وتبرز تضحياتها ومواقفها الوطنية كجزء من المجتمع العراقي 
5 - البعد التعليمي : تعمل المناهج التعليمية وخاصة في المراحل الدراسية الاولية على ترسيخ الأفكار للأجيال الجديدة وجعلها من الثوابت العقلية ، وهذا يتطلب تضمين مناهجنا المدرسية التعريف بالمكونات الاجتماعية العراقية  وأصهار المشتركات لانشاء أجيال وطنية بلا عقد الانتماءات الجامدة التي رسّختها الأنظمة السابقة حول الشركاء في الوطن 
6 - البعد المؤسساتي : في كل الدول وخاصة ذات الأنظمة اللامركزية هناك مؤسسات فيدرالية  يكون نطاق عملها على المستوى الوطني ومؤسسات محلية  تهتم بشؤون المحافظات والحكومات المحلية ، ولمعالجة ضعف الهوية الوطنية لابد من تفعيل المؤسسات الفدرالية والتي تستقطب وتجمع جميع الهويات والمكونات ضمن برامجها والتي تعمل بدورها على امتزاج الهويات مع بعضها وتوسيع مساحة اداء الهوية الوطنية ومنها الجيش الوطني والمؤسسات التعليمية  كالجامعات والمعاهد التي تستقبل الطلبة من كل المكونات وبكل الهويات والمنتجة لعلاقات وصداقات وشراكات عابرة للهوية الفرعية وتفتح مساحات للتفاهم وسعة في قاعدة المشتركات بعيدة عن أجواء الشحن الامني والسياسي .
7 - البعد الاقتصادي : توزيع خارطة المشاريع الاقتصادية والاستثماريّة على الرقعة الجغرافية للوطن بعيدا عن حسابات الهوية الفرعية والمكوناتية تساهم في تنامي الوضع الاقتصادي لهذه المكونات وترفع من انتماءها الوطني لشعورها بالمساواة والعدالة وعدم التهميش وتثقل من التقوقع عن الهوية الفرعية بحجة المظلومية وعدم المساواة.
8 - البعد الديني العقائدي: من المعروف ان العقائد والاديان من أساسيات نشوء المكونات والهويات الفرعية  لكل التجمعات وهنا يلعب الخطاب الديني دورا في تهدئة الانفعالات وتخفيف حدة التوتر والتباعد بين المختلفين دينيا ضمن البلد الواحد أذاً أعتمد على لغة السلام والمحبة والوحدة والقيم السماوية الجامعة على الخير ونشر السلام ، وقد يتحول نفس الخطاب إلى فتنة شديدة المخاطر أذا وظف بصورة سلبية لزرع التفرقة والتناحر والتصارع ويهدد الامن الوطني والسلم المجتمعي وأدخال الوطن في منحدر التطرف والارهاب ، لذا يمكن للموؤسية الدينية بكل عناوينها وألوانها أن تكون داعمة لجمع الناس تحت الهوية الوطنية الجآمعة إذا ما تحكمت بأنفعالات الهوية الدينية او المذهبية الفرعية.

الباحث
زهير حمودي قنبر
قسم الدراسات السياسية 
مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية